لم يكُن يستشعر انتساباً حقيقياً إلى وطن.. الفيتوري.. سأرقد في كل شبر من الأرض!!

الخرطوم: الصيحة

(1)

هل كان الشاعر محمد الفيتوري سودانيّاً كما عرَفه الناس منذ بداياته وحتى شهرته، أم كان شاعراً ليبيّاً كما أصبحت صفته في سنواته الأخيرة وحتى نهاية عمره؟ كان محمد الفيتوري مزيجاً من هذا وذاك من الأقطار، درويشاً متجولاً بين الأمصار. ولد سنة 1936 (وربما قبل ذلك بسنتين أو ثلاث) في مدينة الجنينة، غربي دارفور، على تخوم ليبيا، من أبوين ليبيين. ربِيَ في أحضان جدته السودانية. نشأ في مصر بعدما انتقل والداه إلى الإسكندرية حيث تلقى علومه الأولى التي أكملها في القاهرة في المعهد الأزهري ثم في دار العلوم. عاش سنوات بين مصر والسودان عاملاً في الصحافة والإذاعة ثم خبيراً إعلامياً في جامعة الدول العربية سنة 1968 ولمدة عامين.

(2)

زار لبنان في الأيام الأخيرة من سنة 1969 ممثلاً شعراء السودان في المهرجان الشعري الذي أقيم في ذكرى مرور عام على وفاة الشاعر عبد الله الخوري، الأخطل الصغير. وطاب له العيش في بيروت فاستقر فيها وعمل كاتباً صحافياً في مجلة “الأسبوع العربي”. وفي 1974 وبسبب قصيدة لاهبة في ذكرى شنق المناضل السوداني اليساري الكبير عبد الخالق محجوب، أسقط عنه الرئيس السوداني جعفر نميري الجنسية السودانية، وضغط على الحكومة اللبنانية فأبعدته خارج الحدود فلجأ إلى دمشق وأقام فيها سنة.

دفاتر فارس يواكيم: نهاد قلعي….”حسني البورظان” وراء شهرته ومأساته.

(3)

بعدها زار ليبيا فمنحه العقيد معمر القذافي جواز سفر دبلوماسياً وأضحى الملحق الثقافي في عدة سفارات ليبية: في روما سنة 1976، ومنها إلى بيروت مطلع الثمانينيات، ثم في المغرب إلى حين انهيار نظام القذافي ومصرعه في 2011، فأسقطت عنه الجنسية الليبية، لكنه ظل مقيماً في الرباط. وكانت الحكومة السودانية منحته سنة 2014 الجنسية وأرسلت إليه جواز سفر لم يستخدمه. وانتقل بعدها بسنة إلى الدار الآخرة في 24 مايو/ أيار 2015.

(4)

ويمكن اختصار سيرة حياة محمد الفيتوري بأنه سوداني المولد والبيئة الأولى، مصري النشأة والوعي، لبناني الهوى، مغربي الرباط الأخير. وصف المفكر السياسي والأديب المصري محمود أمين العالم الذي قدّم لديوان الفيتوري الأول “أغاني إفريقيا” بدايات شاعرنا بأنه “لم يكن يستشعر انتساباً حقيقياً إلى وطن”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى