طبيب رافق والده إلى أن توفاه الله يكتب عن حال المستشفيات

أسوأ قرار في حياتك

طبيب رافق والده إلى أن توفاه الله يكتب عن حال المستشفيات
أسوأ قرار في حياتك
إذا كنت تعاني أي أعراض تنفسية (عافاك الله)، ثم قررت البحث عن رعاية طبية فإن هذا القرار حالياً سيكون هو الأسوأ في حياتك على الإطلاق..
فوبيا الكورونا الزائد
مع التخبط الوزاري الحاصل والخلافات الإدارية المنعكسة على أوضاع المرافق الصحية مع محدودية القطاع الخاص العامل.. كل ذلك سيؤدي بك إلى عنبر عزل مؤقت في مشفى حكومي لا يملك أن يقدم أكثر من إمداد أكسجين مستمر (كتر خيرهم)..!!.
مركز العزل المؤقت في مستشفى مرجعي كبير للقلب والصدر عبارة عن عنبر بائس يتم إدخال المرضى فيه من نقطة فرز في مدخل المستشفى.. الطبيب في هذه النقطة (حين يكون موجوداً طبعاً) مدرب على التشخيص بالاسكور لأن انتظار أخذ العينة بواسطة تيم الوبائيات قصة طويلة وغير عملي ويتأخر لأيام!!!!..
المركز ليس فيه أي رعاية طبية خالص.. المرضى يرقدون بالأيام التى تصل إلى أسبوع وزيادة بأمراض حادة ومزمنة (الكوفيد) عندها عبارة عن نزهة من غير أي خطة علاجية!!! فقط إمداد أكسجين مستمر بماسك عادي…
يموت الناس في هذا المركز بكل شئ غير الكوفيد أو بالكوفيد ولا يدري أحد سبب الوفاة لكنها تظهر إحصائياً في تقارير الوزارة!!!
المركز غير مجهز للإحتفاظ بالمريض وإنما لاستقباله ومده بالأكسجين إذا كان محتاجاً إليه لمدة ساعات لحين تأكيد التشخيص ثم نقله إلى مراكز العزل المجهزة!!.. هذا الكلام حالم جداً ونظري للغاية!!
الواقع أن المريض يرقد بالأيام الطويلة حتى يتوفاه الأجل أو يجد متسعاً في مركز العزل الجاهز بعد أيام تصل إلى أسبوع أو أكثر!!..
عنبر الموت هذا ليس فيه ميزان ضغط… ليس فيه جهاز قياس درجة تشبع الأكسجين، بالتأكيد ليس فيه مونيتر.. ومن يقرأ المونيتر أصلاً… لا يوجد تمريض خاص بالعنبر وإنما الطبيب في نقطة الفرز يأتي لقياس التشبع إذا طلبت لجنة مراكز العزل تحديث بيانات المريض بجهاز نقطة الفرز نفسه ثم يتم تعقيمه بعد ذلك!!!!
المركز ليس فيه سماعة.. يتم إدخال المريض هذه الخرابة بالاسكور.. ويتم تشخيص وفاته (بالنظر)!!!..
حسنا…
هذا المركز هو أكبر بؤرة لانتشار الكورونا في السودان على الإطلاق…
لعدم وجود كادر تمريض مدرب.. وللشح في وسائل الحماية.. فإن المرافقين عليهم أن يقوموا بكل ما يحتاجه المريض إبتداءاً من اختيار السرير ورفعه بالطوب!!! لو احتاج الأمر.. ثم تعتيل اسطوانة الأكسجين من خارج العنبر والبحث عن المفتاح (الإنجليزي) الذي يكون متداولاً بين المرافقين لربط المنظم.. يساعد بعضهم بعضاً في ذلك الواحد فيهم أعزل الوجه واليدين!!!.. لا يوجد اسطاف نظافة ولا تمريض.. لا توجد أي احترازات أو تحوطات لدخول المرافقين..
الحالات المؤكدة والمشتبهة والمحتملة والمرافقين ومرافقيهم وأشباه المرافقين والزوار جميعاً في مكان واحد يتساعدون ويتزاورون ويتواسون ويتعازون ويعدي بعضهم بعضاً (ما كل الناس هنا، كل الناس أهل!!!)…
لا شئ يُرغم أحد على هذا الوضع سوى حاجة المريض للأكسجين.. وهذا المركز يقوم بإمداد مستمر يشكر عليه بالأكسجين..
إلا أن الأكسجين هنا يؤخد دون إشراف طبي، ومع أنه سلعة غالية جداً إلا أنه دواء لا ينبغي أخذه دون رعاية طبية تتابع كميته وحجمه وتشبعه وطريقة إمداده للمريض ونوع الماسك المطلوب.. وهناك حالات يكون إمداد الأكسجين المستمر خطر على جهازها التنفسي وقاتل..
الوضع أسوأ من التصور والوزارة تهمها التقارير الإحصائية أكثر من علاج المصابين أو التعامل معهم بشكلٍ لائق!!!.. هذه الخلاصة تجدها حاضرة في كل ما حولك..
وقد تنتابك الصدمة مع شئ من الدهشة حين ترى الوزارة غير قادرة على متابعة من هم في مراكز العزل المؤقت بصورة كافية ثم تستمع لتقارير الوزارة من شاكلة (والوزارة حالياً تقوم بمتابعة أكثر من ألفي حالة محجورين بمنازلهم)!!!
السيد وزير الصحة ورث نظاماً صحياً متهالكاً بإمكانات عدمية، فالصحة كانت في ذيل اهتمامات النظام البائد وزادت الجائحة من تعقيد المشهد هذه حقيقة ولكن الحقيقة أيضاً أن الوزير الحالي مشغول بصراعات حزبية وشخصية مدفوعة باستقطابات حادة ومحتقنة، جعلت التخبط وتضارب القرارات وتقاطع الصلاحيات وتناقض السياسات واستياء الإدارات والخلافات والإستقالات بالجملة والإقالات بالكوتة، يلقي بظلاله على مجمل المشهد القاتم…
وإلى حين ارضاء نزعات الوزير الحزبية ونزق حاضنته السياسية ودجاجها الرومي في الوسائط، على الناس أن يموتوا بهدوء في بيوتهم.. وعلى لجان الأحياء أن يوسعوا في المدافن ويزيدوا في المطامير فالوزير مشغول بتجميل صورته..
وللذين يلخمون أنفسهم ويلخموننا بإنجازات الوزير الإعلامية وتكريماته العالمية المزعومة!!!، انظروا للأوضاع تحت أرجلكم على الأرض لا على الوسائط!!!
ولا يعجبن مضيماً حسن بزته..
وهل تروق دفيناً جودة الكفن؟!
لكننا مازلنا نحلم بغدٍ أفضل بإذن الله…
د. معتز رضا علوب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى