(عَبَدة المِيري)

 

* لولا ضيوف الرحمن، وبعض وارِد البلاد وصادرِها، لأصبحت الموانئ البحرية في بلادنا (مهجورة)،  إذ هي لم تعُد تجذب السفن العابِرة، ولا تُنافِس موانئ دول المنطقة.. ومع ذلك، سيرة هذه الموانئ الطّارِدة للسُّفن هي الأكثر حضوراً في وسائل الإعلام.. وعلى سبيل المثال، بالأمس، بصحيفتكم هذه، نفى وزير النقل والبنى التحتية هاشم طاهر شيخ طه، وجود أيِّ اتفاق بين الحكومة ودولة أوروبية لتشغيل الموانئ البحرية أو إيجارها..!!

* ليبقى السؤال، ما الذي يمنع تطوير الموانئ بالقطاع الخاص، أجنبياً كان أو وطنياً، كما تفعل دول الدنيا والعالَمين؟ ولماذا التوجُّس من الشركات؟.. فالشاهد أن الصوتَّ الرّافِض لإشراك القطاع الخاص في تشغيل وإدارة الموانئ يبدو (عالياً)، ونخشى أن تستجِيب حكومة الثورة لضغوط (الأصوات العاطِفيّة).. وتُخطِئ الحكومةُ لو لم تُخَصخِص التشغيل والخدمات بكل موانئ السودان، وليس بميناء بورتسودان فقط..!!

* فلتكن صادمة، ولكن من وحي تجارب تكدُّس الحاويات وترهُّل العمالة وضَعف الموارِد، فإن خصخصة التشغيل والخدمات هي الحل لتجاوُز كل أنواع الفشل والعَجز والتردّي بالموانئ.. وهناك قانون سلطة الموانئ البحرية لسنة 2018، وبموجبه تم إنشاء سُلطة لمُمارسة (أعمال السيادة) بالموانئ والنقل البحري، ويُلغي القانون أمر تأسيس هيئة الموانئ، وحدّد اختصاصات السُّلطة، كما نصّ على استمرار العامِلين في الهيئة السابقة في خدمة السُّلطة الجديدة..!!

*وبقانون سلطة الموانئ البحرية لسنة 2018، لهيئة الموانئ كل السلطات الرقابية والسيادية.. ومع هذه السلطة الرقابية والسيادية يجب إفساح المجال لشركات القطاع الخاص لتطوير التشغيل والخدمات بالموانئ.. نعم، فالحكومةُ لا تُدمِن غير الترهُّل، ولكن شركات القطاع الخاص تُتقِن التشغيل وتطوير الخدمات.. لقد تأخّر فصل الرقابة والإشراف عن الخدمات والتشغيل بهيئة الموانئ البحرية، ويجب أن يتم هذا الفصل..!!

* فالوزير هاشم طاهر يعلم أن الشركات هي التي نَهَضَتْ بموانئ الدول التي مِن حولنا، وليس (الميري).. لو أتقنَت الحكومةُ الرقابة والإشراف، فإن الشركات تُتقِن تشغيل وتطوير الخدمات، وكلٌّ مُيسَّر لِما خُلِق له.. وللناس والبلد تجارِب رغم أنها مُتميِّزة نسبياً، إلا أنها بحاجة إلى المزيد من التطوير بواسطة القطاع الخاص أيضاً.. خدمات الاتصالات من التجارِب الناجحة، وهي إحدى ثمار تقزيم السلطة الحكومية لحد الاكتفاء بالإشراف والرقابة، وليس التنفيذ..!!

* ولأن الغاية هي التطوير، فمع العض على حقوق العامِلين بالنواجذ، ليس هناك ما يمنع استيعاب ذوات الكفاءة  من شركات الخدمات والتشغيل بالموانئ، كما تفعل الدولُ المُتحضّرة.. فالاقتصاد الحديث يتَّكئ على تقزيم سُلطات الحكومات وتضخيم سُلطات الشركات.. ولكن في بلادنا، بذات العقلية التي تسبّبت في انهيار الاتحاد السوفيتي، لن يكون مُدهشاً  إنشاء هيئات حكومية لبيع الشاي والقهوة للمارة، أو الفول والطعمية لطلاب المدارِس..!!

* على صُنّاع القرار عدم التوجّس من كلِّ أنواع التغيير.. ومن التغيير المنشود الإيمان بأن الحكومات الذكية هي التي تكتفي أجهزتُها بالتشريع والرقابة والإشراف، وتُفسِح مساحات الإنتاج والخدمات والتشغيل لشركات القطاع الخاص.. ويجب إطلاق سراح كل موانئ السودان من (قيود الإنتاج) المُسمّاة بالسلطات الحكومية، بحيث تكتفي الحكومة بالمَهام الرقابية والسيادية.. فلتكن شراكةً أو خصخصةً أو إيجاراً، فالاسم ليس مُهمّاً، فالمهم أن تكون هناك خدمات وإنتاج..!!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: عذرا المحتوى لا يمكن نسخه !!