السودان والمجتمع الدولي.. لقاءات (خارج دائرة الضوء)!!

الخرطوم: عبد الله عبد الرحيم

لم يعتقد الرئيس الأسبق المشير جعفر محمد نميري أن صفقة ترحيل اليهود الفلاشا السرية التي أبرمها مع دولة الكيان الإسرائيلي في تلك الأيام لإسرائيل عبر دولة أثيوبيا أن تتسرب بتلك الطريقة السريعة، ذلك لأن الطريقة التي تم بها تنفيذ العملية المشتركة كانت في غاية السرية بالإضافة إلى إشراف جهاز الموساد الأسرائيلي نفسه على تأمين تلك العملية. وهذا هو الذي جعل قناعة الرئيس النميري تزداد وقتها شيئاً فشيئاً. 

صفقة الفلاشا

وكانت الفاجعة للحكومة السودانية أن الموساد الذي وثق فيه النميري هو من قام بتسريب وإفشاء أسرار ترحيل اليهود الفلاشا إلى إسرائيل. وكانت هذه الفاجعة الأولى والنصل السياسي والأمني الأول الذي غُرز في ظهر السودان السياسي منذ تلك العملية وأخريات لم لم يحظَ التاريخُ برصدها وتصويرها على نحو ما جرى خلال عملية ترحيل اليهود الفلاشا وعبر الآلة الأمنية الإسرائيلية نفسها. لتأتي تفاصيل ومعلومات وأضابير تلك العملية خلال المحاكمات التي أقيمت بحق الذين نفذوا تلك العملية عقب نجاح الثورة الشعبية التي هبت رياحها على السودان في العام 1985 وأدت إلى اقتلاع حكم النميري، واتهم وقتها الفريق طيار الفاتح عروة بمعية نائب رئيس الجمهورية عمر محمد الطيب.. والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا أفشى جهاز الموساد تلك العملية التي كان التعاون فيها من قبل الرئيس النميري بمثابة نجاح دبلوماسي كبير لدولة الكيان الصهيوني؟ وما هي الأسباب التي دفعت إسرائيل للاعتراف بأضابير تلك العملية التي استنكرها كل العالم الإسلامي وقتها؟ وهل حقيقة كانت تجري عملية إذعان للرئيس النميري الذي بدأت أركان حكمه تترنح شيئاً فشيئاً قبل أن تهب رياح الثورة الشعبية وقتها؟ وما الذي أرادت أن تجنيه إسرائيل من ذلك التسريب الذي ساعد في إلهاب رياح الثورة التي اقتلعت النميري عن سدة الحكم؟.

المهدي وبيريز

صورة أخرى وطريقة لمحاولات إفشاء ونشر أسرار العلاقات مع الطرف الخارجي بالنسبة للحكام السودانيين هو ما صادف لقاء الصادق المهدي رئيس وزراء حكومة السودان الأسبق برئيس حزب العمل شيمون بيريز في واحدة من المؤتمرات الدولية. لتأتي صورة المصافحة التي التقطتها أجهزة إعلام إسرائيلية للمهدي وبيريز، كالصاعقة على العالم العربي والاسلامي وضجت بها أسافير وردود أفعال محلية ودولية، لأن إسرائيل وقتها لا يذكر اسمها مجرداً في كل بقاع العالم العربي والاسلامي إلا وسبقتها كلمة “عدو” وصارت متلازمة وسابقة تذكر وتكتب قبل أن يذكر اسم إسرائيل. واستخدمها الموساد الإسرائيلي على نطاق واسع فبدت مصافحة الإمام الصادق المهدي باعتباره رئيس وزراء سابق ورئيس حزب كبير بقامة حزب الأمة، للرئيس الإسرائيلي وكأنها بدايات تطبيع للعلاقات مع إسرائيل المُحاصَرة وقتها عربياً وإسلامياً.

حماية روسيا

تلك كانت البداية لإفشاء صفقات سرية ولقاءات عقدها الرؤساء السودانيون مع نظرائهم من قادة دول العالم، ورغم السرية الكبيرة التي ظل يحيطها الجانب السوداني بتلك اللقاءات والصفقات ولا أظنها أحادية إلا أنه سرعان ما تُفشى وتتسرب للإعلام بعضها مباشرة نقلاً على الهواء بطريقة هزلية كالتي صاحبت لقاء الرئيس المخلوع المشير البشير مع نظيره الروسي فلاديمير بوتن العام 2018 ونقل التلفزيون الروسي ذلك اللقاء مباشرة على الهواء رغم السرية الوهمية التي أقنع بها الرئيس البشير من قبل جهاز الـ(kgb) الروسي الذي حاول إفشاء توسلات الرئيس السوداني للعالم وتحديداً للإدارة الأمريكية التي تدور بينهما حرب باردة ويقف السودان وقتها على الرصيف الأمريكي عقب محاولات دبلوماسية جادة بين الطرفين لتخفيف ورفع العقوبات عن الجانب السوداني. ووجد هذا اللقاء أيضاً ردود أفعال قوية من الشارع السوداني الذي اختلفت مواقفه منها، ولكن سرعان ما سارت الأمور بسرعة نحو التطبيع مع الدب الروسي بعد أن تبودلت الزيارات على المستوى القيادي والرئاسي. 

ويقول محللون إن إفشاء ردهات تلك الزيارة واللقاء بالعاصمة الروسية موسكو هو الذي دفع إلى التطبيع بتلك السرعة، ويعود الأمر إلى أن بوتن لم يكن مقتنعاً بأن السودان سوف يترك الجانب الامريكي الذي يحاصر روسيا بالعقوبات في تلك الأيام ليقف ليطلب العون والمدد من روسيا وهي في تلك الحالة، خاصة وأن السودان يدعم التيار المتشدد في العلاقات الدولية مع أمريكا وفي نفس الوقت يأمل أن يطبع علاقاته بالبيت الأبيض بخطوات ومحاولات شهدها العالم أجمع.  

صفقات سرية

وكانت أفضح صورة لتهكم الدبلوماسية الأجنبية على الدول التي يتعامل معها السودان بمنتهى السرية هو تسريب اللقاء الذي أحيط بدرجة عالية من السرية لقاء (البرهان- نتنياهو) مؤخراً بالعاصمة الأوغندية كمبالا.. ورغم السرية التامة التي ضربها رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان على لقائه بنتنياهو الرئيس الإسرائيلي هذه الأيام، إلا أن الحكومة الإسرائيلية سارعت على نحو ما تم في لقاءات وصفقات سرية بينها والسودان إلى إعلانها وفضحها للعالم عبر أجهزتها الإعلامية والتي يقف على تسييرها بصورة كبيرة سياسات جهاز الموساد. 

كسب ذاتي

تسريبات لقاء البرهان ونتنياهو بتلك الصورة، أعادت للأذهان تلك الصور الهزيلة التي رسمها الإعلام الأجنبي من خلال تسريبات أجهزة أمن ومخابرات تلك الدول التي تعامل معها السودان إن كان في لقاءات سرية أو قل صفقات سرية “لم يكسب السودان منها شيئاً عبر الأزمات”، وربما يأتي السؤال مرادفاً عن سبب كل هذه الإهانات الدبلوماسية لحكام البلاد والتي تمس السيادة الوطنية في مقامها الأول بما قاله بروفيسور الفاتح محجوب الأكاديمي والأستاذ بالجامعات السودانية، لـ(الصيحة) من أن هذه الظاهرة التي لازمت تحركات رؤساء السودان في تعاملهم الخارجي بعلاقة الطرف القوي والطرف الضعيف، وقال: دوماً طلبات الطرف الضعيف يستهان بها  فيما يسعى الطرف الآخر لتحقيق مكسب شخصي وذاتي إن كان للرئيس الإسرائيلي أو أمريكا التي تحاول التوطيد لصفقة القرن أو الرئيس فلاديمير بوتن في لقائه بالرئيس المخلوع عمر البشير، وأكد أن السودان دوماً في تعامله مع إسرائيل لم يطلب منها الكثير سوى المساعدة في التقرب من الولايات المتحدة الأمريكية التي تضرب عليه عقوبات تحرمه من الانتفاع بالمساعدات الدولية وغيرها.

ما جرى، يؤكد أن السودان في ظل تعامله الخارجي ظل هو حجر الرحى والزواية التي يرجى منها الكثير في كل تعامله الخارجي لجهة أنه يلعب دوراً محورياً إقليمياً وإسلامياً عربياً وإفريقياً. ولكن ما يجعل مثل هذه الصفقات محرمة هو السرية التي يضربها السودان وينأى بها  عن الشفافية مع شعبه في الوقت الذي تكون فيه شعوب البلدان الأخرى ملمة بكل ما يخطط له له في الدبلوماسية الخارجية، ليؤكد المراقبون أن السند الداخلي للإجراءات الدبلوماسية الخارجية للسودان هو وضع المواطن بالداخل على الخطوات المراد اتخذاها حتى لا يتفاجأ بها في الألسنة الخارجية كما جرى مع كل اللقاءات والصفقات التي حاول السودان إبرامها أو أبرمها مسبقاً.

انضم لقروب الصيحة على واتساب اضغط هنا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: عذرا المحتوى لا يمكن نسخه !!