لماذا “تسقط” المدن فى الحرب؟: قصّةُ أسيرٍ نوعيّ من الفاشر

بدون زعل
لماذا “تسقط” المدن فى الحرب؟:
قصّةُ أسيرٍ نوعيّ من الفاشر
عبد الحفيظ مريود
كانت مدينةُ الفاشر تتسرّبُ من بين يدى الجيش والمشتركة، يوماً بعد يوم. شيئاً فشيئاً تقلّصَ وجودهما فى حىّ درجة أولى. حتّى إذا لم يبقَ بصيصُ أملٍ، قرّر الجميعُ الفرارُ، ليلاً. أصبحَ الصّبحُ على المدنيين القلائل الذين بقوا، فتفاجأوا بأنَّ الجميع هرب. ثمّة طريقان سالكان إلى “طويلة”، وآخر يؤدّى إلى قرية قريبة من الفاشر اسمها “قَرْنِي”. بدأ الراغبون فى الخروج مسيرهم. لاحظ أحدٌ بأنَّ الرّجل الخفيف اللّحية، النّحيل، هذا، يختلفُ عن المقهورين الذين يحاولون التخلّص من مكانٍ لطالما آذاهم. استوقفه، استعان ببعض العارفين بالفاشر، فاتضحَ أنَّ الرّجل مهمٌّ جدّاً فى شمال دارفور. تمَّ إبقاؤه، ثمَّ لوحظ آخرانِ، فثالث، فتتابع المهمّون.
كيف وقع رجلٌ رفيعُ المستوى أسيراً، فيما “تخارجَ” أقرانُه من المدنيين والعسكريين؟
بعد نحوِ ثلاثة أشهرٍ كان الرّجلُ يتحدّث إلينا.
كان الأمين العام للحركة الإسلاميّة فى ولاية شمال دارفور. أكثر الجمل التى نطقها أهميّةً كانت “أنا أعلنُ اليوم استقالتى من الحركة الإسلامية. كنتُ قد استقلتُ من منصب الأمين العام فى شمال دارفور عام 2018م، وأبقيتُ على عضويتي. اليوم أستقيل من هذه العضويّة”.
كلام رجلٍ وقعَ فى الأسر؟ مثلما قالوا عن إفادات اللواء أمن/أنس عمر والدكتور محمّد على الجزوليّ، ومئاتٍ من ضبّاط الجيش، الأمن والشّرطة؟ أم كلامُ رجلٍ انحسرتْ عنه أوهامُه؟
اسمُه كمال الدّين يحى خليل. شغل عدداً من المناصب التنفيذية فى حكومة شمال دارفور. ينحدرُ من مدينة مليط. سألتُه: لماذا الآن؟ قال حدثتْ لى مراجعات خلال فترة الأسر. مراجعات جادّة وعميقة، محورها سؤال واحدٌ : لماذا كلُّ هذه الدّماء منذُ مجيئ الحركة الإسلاميّة إلى الحكم عام 1989م، وحتّى الآن؟
شايف كيف؟
يقولُ:
الواقع لم أقُمْ بمراجعاتٍ عميقة إلّا فى بعد تكليفى أميناً عامّاً للحركة الإسلاميّة فى شمال دارفور، بفترة. فقد لاحظتُ أنَّ هناك أوامر، فقط. وما علينا إلّا التنفيذ. قدّمتُ احتجاجاتٍ واستفسارات لم تزدِ الأمر إلّا سوءً. فقد وجدتُ أنَّ الأوامر من الخرطوم باتتْ تتخطّانى إلى آخرين. أسمعُ فقط بأنَّ فلاناً يعملُ على شيئ تمَّ تكليفه به من الخرطوم. فقدّمتُ استقالتى من الأمانة العامّة، لكنّنى احتفظتُ بعضويّتى وكنتُ ملتزماً.
لا أكتمكَ بأنَّنى حتّى انتهاء معارك الفاشر كنتُ مع “بل بس”. موقناً بأنَّها حرب كرامة ولابدَّ أنْ ننتصر فيها.
-ثمَّ ماذا حدث؟
يواصلُ اعترافاته:
أوّلُ ما استوقفنى هو طريقة انسحاب قيادة الجيش والمشتركة من الفاشر. كنّا نعرفُ ونلاحظُ بأنّنا نخسرُ يوماً بعد يومٍ جزءً من المدينة. يستلمه الدّعم السّريع ويتقدّم. لكنَّ الخطاب العام والتنويرات تجعلك مطمئناً إلى أنَّ كل ذلك سيتلاشى قريباً. كنّا نعقد التنويرات للمواطنين والفعاليات نؤكّد لهم ذلك، فيما كانتِ الأوضاعُ تسوء والخناق يضيق.
كنّا نعرفُ بأنَّ الكثير من المواطنين قد تسلّلوا من المدينة. حتّى من الأحياء التى ظلّتْ تحت سيطرة الجيش والمشتركة. ذلك جعل الحركة مشدّدة، فى ظلّ جوعٍ متفاقم، أمراض وموتى يتزايدون وسط المواطنين. لكأنّما نبقى من تبقّى رهائن أو متاريس.
كنّا نزحفُ، جميعاً، منحصرين فى حيّ واحدٍ أو حييْن. وحين قرّرتْ قياداتُ الجيش والمشتركة الانسحاب، لم تخطر إلّا القليلين الذين سيحتاجون إليهم، أو الذين تربطهم قراباتٍ بدرجات متفاوتة مع بعض القيادات. أصبحنا ذات يومٍ لنجدَ أنّه لا أحد منهم. كانوا قد تسلّلوا بليلٍ وسط تكتُّمٍ شديد. الكثيرون الجنود التّابعين للجيش أو للمشتركة وجدوا أنفسهم وحيدين، عزّل أمام الدّعم السّريع الذى استلم المدينة.
كانتِ الفرصة للخروج هى أنْ تخرج كمواطن، ضمن المواطنين الذين سينزحون بحثاً عن طعام، أهل، أىّ شيئ. ذلك أنّه لم يتبقَ شيئ فى المدينة. وفى أثناء المرور، تمَّ كشف الكثيرين من الجنود والضبّاط، والضّالعين فى العمل العام.
تمَّ كشفي، مثلما تمَّ كشفُ آخرين، وأصبحنا أسرى.
برأيكَ : مَنْ دمّرَ مدينة الفاشر؟
يأخذُ فرصةً يتأمّل..يفكّر..يتذكّر..يقدّر:
الإصرار الغبيّ الأعمى من قيادات الجيش والمشتركة هو من فعل ذلك. كانتْ هناك فرص وعروض لتجنيب المدينة وأهلها كل هذا الدّمار. لكنّنا لم نكن نراها. بل بس.
فى فترتى التى قضيتُها أسيراً حتّى الآن، كنتُ أتأمّل وأراجع:
لماذا كلّ هذا التعطّش للدماء منذ 1989م؟ أىُّ إسلام هذا، وأيُّ مشروعٍ إنسانيّ لا يقومُ إلّا على سفك دماء البشر؟
كنتُ أفكّرُ فى الدماء التى أُهدِرتْ فى حرب الجنوب من الجانبين. فى جبال النُّوبة، فى النّيل الأزرق، فى دارفور، ثمّ هذه الطّامةُ التى نعيشُها باسم “الكرامة”…لماذا كلُّ هذا؟
لم أستطع الإجابة.
ليس هناك من غايةٍ نبيلة تبيحُ لنا سفك كلّ هذه الدماء.
شايف كيف؟



