السودانيون طلائع أحرار البشرية؟!

السودانيون طلائع أحرار البشرية؟!
الجميل الفاضل
ثَمّةَ مشهدٌ صغيرٌ، ربما لا يلتفت إليه المؤرخون، لكنه يكاد يختصر زمناً بأكمله: رأسُ أقوى دولةٍ في العالم يخرج من قمةٍ كبرى متخفياً من الخوف؛ طائرةٌ تُعرض أمام الكاميرات، وطائرةٌ أخرى تحمل الحقيقة، ومسارٌ ثالثٌ يُصنع للعيون كي لا ترى.
يا للمفارقة! من جعل الخوفَ لغةً للعالم، صار يخاف من العالم.
ومن بنى أمنه على الرعب، صار الرعبُ يبحث عنه في مخبئه.
وليس المهم هنا كيف خرج الرجل “ترامب”، ولا بأي طائرةٍ مضى؛ فهذه تفاصيلُ المشهد.
أما المعنى الذي وراء المشهد، فهو أن شيئاً في هيكل القوة قد بدأ يرتجف.
فالقوة حين تحتاج إلى التخفي من الخوف، تكون قد دخلت أول أبواب العجز؛ إذ ليس أخطر على الجبر من أن يكتشف الجبريون أنفسهم أنهم ليسوا خارج دائرة هذا الجبر.
من هنا يبدأ التحول، ليس بالضرورة في بيانات القمم، ولا في خرائط التحالفات، ولا في حركة الجيوش، وإنما في مكانٍ أعمق: في وعي الإنسان.
لقد بلغ سلطان المادة ذروته، حتى كاد الإنسان ينسى أنه ليس أكثر من جسد، وأن العالم أكثر من سوق، وأن القوة أكثر من امتلاك لأدوات الإكراه.
لكن السنن لا تنام، فالذي يعلو بالباطل، يحمل في صعوده بذرة سقوطه؛ والذي يجعل الخوف أساساً لطاعته، يزرع في قلب الخائف لحظةً لا بد أن يسأل فيها: ممّن أخاف؟ ولماذا أخاف؟ ومن قال إن الإنسان خُلق ليكون عبداً للخوف؟
فمن عند هذه النقطة بالضبط يبدأ ميلاد الإنسان الحر.
ليس الإنسان الحر من يفعل ما يشاء؛ فذلك قد يكون وجهاً آخر للعبودية.
الحر حقاً هو الذي لا يتناقض في داخله، أن يكون سره وعلنه سواء، وفكره وقوله سواء، وقوله وفعله سواء؛ فلا يعيش بثلاثة وجوه، ولا يحتاج إلى قناعٍ كي ينجو، ولا إلى كذبةٍ كي يصنع مكاناً بين الناس، هنا تستعيد الذات وحدتها.
ثم تأتي الحرية الثانية: ألا يكون أثرُ حريتك عبئاً على الوجود.
فالحرية التي تؤذي إنساناً، أو تهلك حيواناً، أو تفسد أرضاً، أو تسمّم ماءً، ليست حرية؛ إنها شهوةٌ ترتدي اسم الحرية.
الحر هو من اتسعت حريته حتى صار خيراً على ما حوله.
ثم تأتي الحرية الثالثة، وهي أشقها:
أن تحمل مسؤولية نفسك كاملة من غير نقصان.
ألا تقول: الدولة ظلمتني، والمجتمع قهرني، والزمان خذلني، والآخرون أفسدوا حياتي.
إنما يجب أن تقف أمام نفسك وتقول: هذه أمانتي ومسؤوليتي.
فالمسؤولية ليست قيد الحرية؛ إنما هي صورتها الباطنة.
ومن هنا يبدأ الإنسان في الخروج من سلطان العالم إلى سلطان الحقيقة.
قد يملك العالمَ ولا يملك نفسه كصاحبنا هذا، فيكون فقيراً وهو في ذروة ملكه.
وقد يخسر العالمَ ولا يخسر قلبه، فيكون غنياً وهو في قاع المحنة كحالنا.
وقد يكسب الناس جميعاً ويخسر صلته بالله، فيصبح تصفيقهم حوله ضجيجاً يخفي خواءه.
أما من استغنى بالله، فقد انكسر في يده آخر صنمٍ من أصنام هذا الجبروت.
ومن هنا بالذات يمكن أن تبدأ قصة السودان.
فالسودان، في هذه القراءة، ليس مجرد بلدٍ يمر بحربٍ مروعة، ولا شعباً ينتظر أن تنتهي محنته ليعود إلى حياته كما كانت.
ثمة معنى آخر في ذهني لهذه المحنة.
جعلني أتصور أن الإنسان السوداني قد دخل فرنَ التاريخ عارياً من كثيرٍ مما كان يظنه سنداً: سلطةً، ومالاً، وأمناً، وبيتاً، ومدينةً، وأحياناً وطناً.
ومع ذلك بقي فيه شيءٌ لا يستطيع الرصاص انتزاعه: هو الفطرة السوية.
ذلك السر القديم الذي يجعل السوداني، حتى وهو في أشد الضيق، قادراً على أن يقتسم اللقمة مع غيره، ويفتح الباب لسواه، ويحمل الغريب علي أكف الراحة، ويؤوي المشرّد، ويواسي المكلوم.
كأن هذه الأرض، التي شربت من النيلين، لم تحفظ الماء وحده؛
بل حفظت شيئاً أكبر في معناه الخفي لنهر من انهار الجنة.
ولذلك ربما لا يكون السودان في آخر التاريخ كما يبدو في آخر نشرات الأخبار مجرد حرب منسية.
فما يبدو اليوم انهياراً في عين السياسة، قد يكون ـ في عين السنن ـ امتحاناً قاسياً لإعادة استخراج الإنسان من تحت هذا الركام.
ولعل لهذا المكان ذاكرةً أقدم من ذاكرة الدولة الحديثة نفسها.
فهو أرض الكوشيين، وأرض النيل، وأرض القباب والمسايد، وأرض الذين جعلوا من الزهد قوةً، ومن الفقر غنىً، ومن الخفاء مقاماً.
أرضٌ طالما عرفت أن أعظم السلطان ليس أن تُرى، وإنما أن تكون.
ولذلك لا تبدو الإشارة التوراتية إلى الكوشي ترهاقا، الذي ارتبط في الرواية التاريخية بفك الحصار عن القدس في زمن حزقيا، مجرد تفصيلٍ بعيد إذا قرأنا التاريخ بوصفه حركةً للمعاني لا تعاقباً للأسماء.
فقد يأتي الفرج أحياناً من حيث لا يتوقعه أصحاب القوة، وقد يخرج مفتاح القفل من يد من ظنه الناس خارج المشهد.
وليس المقصود بالطبع أن السودانيين شعبٌ فوق البشر، ولا أن لهم امتيازاً عرقياً أو قدراً مغلقاً؛ فذلك يعيدنا إلى الوثنية نفسها التي نحاول الخروج منها.
فقد تكون أرض السودان مختبراً مبكراً للإنسان الحر، الذي هو إنسانٌ لا يحتاج إلى أن يملك العالم كي يشعر بقيمته.
ولا يحتاج إلى أن يخيف كي يُطاع.
ولا يحتاج إلى أن يكذب كي ينجو.
ولا يحتاج إلى أن يبيع ضميره كي يصعد، إنسانٌ يستطيع أن يخسر الأشياء ولا يخسر نفسه.
وهذا، في جوهره، هو أول الطريق.
فالطريق الحقيقي ليس في أن تتغير الحكومات وحدها؛ لكن أن يتغير الإنسان الذي يصنع هذه الحكومات.
وليس سقوط القهر في أن يسقط الطاغية؛ لكن في أن يسقط الخوف من قلب إنسان أعزل، فحين يسقط مثل هذا الخوف، تسقط معه صناعة المستبد، وحين يسقط الزيف، لا يجد الاستبداد ما يلبسه، وحين تتطابق السريرة والعلانية، يصبح الإنسان عصياً على التدجين، وحين يصبح أثره إحساناً، تتحول حريته من حقٍ شخصي إلى رحمةٍ عامة، وحين يحمل أمانته، لا يعود قابلاً لأن يكون ترساً في آلة أحد.
هنا فقط نفهم المشهد الأول: طائرةٌ رسمية تمضي في طريقٍ للعيون، وطائرةٌ أخرى تحمل الرجل في طريقٍ لا تراه العيون.
ما أعجب العالم حين تنقلب أدواره.
الذين كانوا يصنعون للآخرين طرقاً سريةً للخروج، صاروا هم من يبحثون عن طريقٍ سري للخروج.
والذين كانوا يوزعون الخوف على الكوكب، صار الخوف يطرق أبوابهم.
والذين ظنوا أن الإنسان يُقاد إلى الأبد، بدأت أقدام الإنسان من حيث لم يحتسبوا تتحسس طريقها إلى دروب الحرية.
فربما لم يبدأ عصرٌ جديد في قاعات القمم، ربما بدأ في قلب إنسانٍ مجهول، في قريةٍ مجهولة، في أرضٍ أرهقها الحرب، ثم قال وهو ينهض:
لن أخاف بعد اليوم، ومن يدري؟
ربما كان ذلك الصوت السوداني الصغير، الخارج من تحت الرماد، هو أول خيطٍ في فجرٍ أكبر، فالسودان ليس بالضرورة آخر البلدان في دفاتر العالم.
قد يكون، في دفتر السنن، من أوائل الأسئلة القادمة، وقد لا يكون السودانيون مطالبين حينها بأن يقودوا العالم بالسلاح، ولا بالمال، ولا بالهيمنة، ربما تكمن طليعتهم في شيءٍ أبسط وأعظم: أن يذكّروا الإنسان بما نسيه.
أن يقولوا له: يمكن أن تخسر كل شيء، ولا تخسر نفسك، ويمكن أن تُحاصر، ولا تصبح سجيناً.
ويمكن أن تُهزم في الأرض، ولا تُهزم في الروح، ويمكن أن تُنتزع منك الدنيا، ولا يُنتزع منك الله.
وحينها، فقط، يصبح المستضعف طليعةً للحرية.
لا لأنه أقوى من المستكبر، بل لأنه لم يعد محتاجاً إلى قوته.
ولعل ذلك هو السر الذي لم يُقرأ بعد في محنة السودان: أن الأرض التي تبدو اليوم في آخر الصف، قد تكون في الحقيقة واقفةً في الصدارة عند مطلع الفجر.
وأن الذين يملكون الطائرات والقواعد والأساطيل قد يملكون أدوات قهر العالم، لكن الذين امتلكوا قلوبهم قد يكونون أقرب إلى انتزاع إعجاب العالم، كما فعل شبابهم في ثورة ديسمبر المباركة.
فإذا كان عالم اليوم يبحث عن إنسانٍ جديد، فربما لا يحتاج إلى أن يصنعه من جديد، ربما يكفي أن ينظر إلى السودان، هناك، حيث يمشي الإنسان بين الرماد والرمل، وحيث تختلط دموعه بماء الأرض، وحيث ما زالت الفطرة الي يومنا هذا تقاوم الحديد.
قد يكون بعض آخرين من أحرار البشرية قد بدأوا بالفعل.
لكن ربما كان السؤال، في النهاية، ليس: هل السودانيون هم طلائع أحرار البشرية؟ لكن هل يستطيع السودانيون أن يستوفوا محنتهم، فيخرجوا منها كما يخرج الذهب من النار: لا أكثر لمعاناً فحسب، بل أكثر صدقاً؟ فإذا فعلوا، فلن يكون السودان قد نجا من حربه فقط، إنما يكون قد خرج منها برسالة.
وبالتالي فإن رسالةُ السودان، لو أنها اكتملت، لن تكون في أن يحكم العالم، لكن في أن يذكّره كيف يكون الإنسان حراً علي ضعفه وهوانه بسر من أسرار الله.


