“ما عِرفتِنْ نورة إنتِنْ..؟ قولِنْ إنتِنْ شِنْ عِرِفْتِنْ؟”

“ما عِرفتِنْ نورة إنتِنْ..؟
قولِنْ إنتِنْ شِنْ عِرِفْتِنْ؟“
الجميل الفاضل
ليست هذه مجرد لازمةٍ غنائيةٍ تتردد في قصيدة شاعرنا الراحل محمد الحسن سالم حميد، إنما هي ـ في ظني ـ أعظم سؤالٍ وطنيٍ ما يزال السودان عاجزاً عن الإجابة عنه.
إنه سؤالٌ لا يسأل عن امرأة فقيرة، ولا عن قرية صغيرة، ولا عن كادحةٍ تحصد الثمار بمنجلها.
إنه سؤالٌ يسأل عن شعب كامل: ماذا عرف، إذا كان قد جهل أصل هذه الحكاية؟
كانت “نورة” تحمل اللبن للصغار وللضيوف، بينما يظل جوعها مؤجلاً.
وتكسو العابرين، بينما يتمزق ثوبها.
وتزرع الأرض، بينما يبقى اسمها خارج دفاتر التاريخ.
وحين يشتد القيظ، تصبح “نورة” نسمة.
وحين يشتد الليل، تصبح هي قنديلاً.
وحين تضيق البلاد بأهلها، تتسع هي حتى تكاد تكون وطناً كاملاً.
ولذلك لم تكن نورة امرأةً من لحمٍ ودم.
أتصور أنها كانت السودان نفسه، في صورته الأولى، قبل أن تعبث به هذه الأيدي الكثيرة.
ولذا حين صاح حميد:
«”ما عرفتِن نورة إنتن؟”»
لم يكن يعاتب الناس لأنهم لم يعرفوا فتاةً ريفية ضامرة هزيلة ذات طمرين، لكنه كان يوبخ شعباً كاملاً أضاع بوصلته، فالذي لا يعرف نورة، كيف له أن يعرف السودان؟
لقد عرفنا وسط هذا الضجيج، أسماء الأحزاب، وحفظنا بيانات الانقلابات عن ظهر قلب، وأتقنّا صناعة الخصومات، وأحسنا تقسيم أنفسنا الي جهات وقبائل وأفخاذ وبطون، والي وجوه غريبة وأخري اليفة.
ثم رفعنا الرايات، وكتبنا الدساتير، لكننا نسينا أن نسأل أنفسنا عن أمثال نورة: اللواتي يحملن هذا الوطن الي الحقل فوق كتوفهن كل صباح؟
كي يطعمن الجميع، ثم ينمن جائعات؟
كي يكسون الأرض بخضرتها، بينما تظل بيوتهن بلا ماء؟
تلك هي نورة وأمثالها في كل أصقاع السودان، اللواتي لم نعرفهن، ولم نقدرهن حق قدرهن.
قالت نورة يوماً: “عايزة تقرأ…”
لكن الدنيا كانت قد مالت عنها، فوضعت الكراس، وحملت هذا المنجل.
وللحقيقة فإن حميد لم يكتب هنا مجرد سيرة فتاة، بقدر ما كتب السيرة المختصرة لمشروع النهضة السودانية كله.
اذ كلما حاول السودان أن يحمل كتاباً، أُجبر على حمل الفأس، وكلما مد يده إلى المدرسة، دفعته الحياة إلى الحقل، وكلما اقترب من المعرفة، أعادته السياسة إلى معارك البقاء.
هكذا صار التعليم كما يجب ترفاً، وصار الجهل سياسة، وصار الكدح بديلاً عن الحلم، ثم جاءت اللدغة.
لم تكن هي لدغة عقرب فحسب.
بل لدغات تاريخ مسموم قاتلة.
فحين تألمت نورة، لم نأخذها إلى العقل، لكننا أخذناها إلى الخرافة، استدعينا من يغطي ألمها بالشعارات الكاذبة، ومن يكوي سقمها بنيران الحروب، ثم ظللنا ننتقل من وهمٍ إلى وهم، ومن كيةٍ إلى أخرى، حتى صار الجسد السوداني كله آثار حريق.
بيد أن نورة الغد رأت ما لم نره نحن.
رأت “طيرة تأكل في جناها”، ورأت “حيطة تتمغي وتفلع في قفا الزول البناها”، ثم رأت الأرض تُسرق من أهلها، ورأت خراب اليوم قبل أن يصل الي رابع السنين.
لكن الذين لم يطيقوا تشوفات نورة حينها، قالوا: “جنت وما براها”.
عموما هكذا كان مصير كل صاحب رؤية في بلادنا، كل من أبصر المستقبل مبكراً، اتهمناه بالزندقة أو بالجنون.
حتى جاء المستقبل من أقصي المدينة يسعي، ليثبت أن نورة ومن شاكلها كانوا أعقل منا جميعاً.
ومع ذلك، لم تتعلم نورة الكراهية. ورغم أنها قد تعلمت التعايش مع الشقاء، لكنها لم تتعلم الغش أبدا.
تعلمت الفقد، لكنها لم تتعلم الخيانة. تعلمت الانتظار، لكنها لم تتعلم اليأس، وكان ذلك هو مكمن سرها الكبير.
ولذلك ظل حلمها علي بساطته أكبر من كل برامج الساسة.
فقد كانت تحلم بوطن، ترجع فيه الأرض لمن يتعب فيها، وبيتٍ فيه نور، ودُش، ومحبة، لا أكثر ولا أقل.
ووطنٍ لا يقاس بطول البنادق، لكن بوسع القلوب الآمنة المطمئنة التي تقطنه، وطن، لا درادر فيه، ولا عساكر، ولا مظاليم، ولا مظالم.
كأن العارف حميد كان يقول لنا:
إن العدالة ليست نظريةً سياسية، إنما هي حلم فطري بسيط تعرفه نورة قبل أن تعرفه الجامعات، والمؤتمرات، ومراكز الدراسات.
ولذلك لا أظن أن سؤال القصيدة المركزي كان هو:
“هل عرفتم نورة؟”، لكنه كان بالضبط: هل عرفتم أنفسكم؟، لأن من يجهل نورة، يجهل بالضرورة معنى العمل، ومعنى الوطن، ومعنى الرحمة، ومعنى السودان نفسه.
لهذا بقيت نورة ترتجف كلما حلمت، وتحلم كلما ارتجفت، قبل أن تنزف.
علي أية حال، فإن ارتجاف نورة ليس ضعفاً، لكنه يشبه ارتجاف البذرة قبل انشقاقها تحت التراب.
ويشبه دوي الرعد والتماع البرق قبل هطول المطر.
أما الذين ظنوا أنها تهذي، فقد كانوا هم الغارقين في سبات اليقين الكاذب.
وسيظل سؤال حميد معلقاً فوق رؤوسنا جميعاً، حتى نملك شجاعة الإجابة: ماذا عرفنا، لو أننا لم نعرف نورة كما ينبغي؟، وماذا بنينا، إذا كانت تلك التي بنت الوطن في أحلامها ما تزال تمشي عارية حافية؟
وماذا ربحنا، إذا كان السودان قد خسر روحه هكذا؟
المهم فإن العودة إلى نورة ليست عودةً إلى امرأة، إنها عودةٌ إلى الفطرة الأولى، إلى الضمير الذي لم يتلوث، إلى اليد التي تعطي ولا تمنّ، إلى القلب الذي يحلم ولا يخون.
ولذلك أختم كما ختم حميد: “صاحْ بتحلَمْ”.
فالأوطان الكبيرة تبدأ دائماً بحلمٍ يظنه الناس مستحيلاً، ثم يكتشفون، بعد طول التيه، أن الحالم الوحيد كان هو العاقل الوحيد




