التصحر الإبداعي في الحركة الاسلاموية!

التصحر الإبداعي في الحركة الاسلاموية!

رشا عوض

لماذا لا نجد مبدعين كيزان نظموا قصائد مؤثرة في حب السودان؟ او انتجوا اعمالاً فنية ملهمة اثرت الوجدان السوداني واسرته بجمالها؟

لماذا لا نجد فيهم شخصيات كسرت حدود الانتماء الحزبي ودخلت قلوب عموم السودانيين بلا استئذان مثل محجوب شريف والقدال وحميد وهاشم صديق على سبيل المثال؟

لماذا ليس فيهم مثل محمد المكي إبراهيم والطيب صالح ومحمد سعيد العباسي وصلاح أحمد ابراهيم وفضيلي جماع والفيتوري ومحمد المهدي المجذوب والتجاني يوسف بشير وإدريس جماع والهادي ادم وازهري محمد علي؟

لماذا ليس فيهم مثل ملكة الدار وزينب بليل وليلى ابو العلا ووئام كمال الدين وليلى صلاح وسارة الجاك واستيلا قايتانو؟

هذه ليست مصادفة !

التصحر الإبداعي في الحركة الاسلاموية ليس بسبب الانتماء الى الإسلام كدين، فكثير من شعرائنا وأدبائنا استلهموا قيم التصوف الأسلامي والثقافة الإسلامية في ابداعهم، فهم مسلمون بعقول مفتوحة ونفوس سمحة متسامحة.

ذلك التصحر الإبداعي في التيارات الاسلاموية الاخوانية والسلفية الوهابية مرتبط بطبيعة فكرها في علاقته بالوطن وبالإنسان!

فالوطن في حد ذاته لا قيمة له على الاطلاق في فكر تلك الحركات، والانسان ليس غاية في حد ذاته !

اذ انهم يعتقدون أن الوطن ومن عليه من بشر يستمدون قيمتهم وجدواهم من مدى خضوعهم للايدولوجيا الاسلاموية ومتى ما كانوا عائقا امامها فهم عبء ثقيل يجب التخلص منه!

الايدولوجيا الاسلاموية هي مجموعة تصورات وآراء وتفسيرات بشرية محضة للإسلام يتبناها بشر عاديون جدا ولكنهم يطابقون وبشكل مطلق بين ايدولوجيتهم وبين الإسلام، وعلى هذا الأساس تنطلق نظرتهم الى الانسان خارج دائرتهم الايدولوجية ، فهو كائن ضال وناقص لا يكتمل الا باتباعهم! اما هم فليسوا بشرا عاديين بل هم وكلاء الله وافكارهم وتصوراتهم ذات نسب الهي!

على أساس هذه الخلفية تتبلور النظرة إلى الانسان!

الانسان في فكر الجماعات الاسلاموية ليس كائنا جديراً بالاستماع لكلماته ونبض مشاعره، او تحسس أوجاعه واحلامه ومخاوفه، أو تفهم تساؤلاته وانفعالاته ومشاغباته وتناقضاته وافراحه واحزانه، او التسامح مع ضعفه ونقائصه، وبالتالي فان فكر الاسلامويين لا يصغي للإنسان ولا يراه جديراً بأي درجة من الإصغاء! لأن الانسان ليس سوى مشروع للوعظ والامر والنهي والوصاية المستعلية! هو من يجب ان ينصت لاستماع صوت الايدولوجيا ويأتمر بأمرها وان ابى يستحق الجلد بالسياط او التقويم بالسيوف! الايدولوجيا التي تدعي ان لها إجابات كاملة ونموذجية لكل سؤال! وحلولاً كاملة ونموذجية لكل مشكلة!

ومن هنا نبعت فكرة تحريم الموسيقى والغناء والرسم والنحت وتسفيه الشعر والادب، فالفنون والآداب هي همس الوجدان البشري ونبض التجربة الإنسانية ورصد خواطر العقل عندما يعزف منفردا بكامل حريته! فمن كانت نظرته للإنسان تتلخص في انه مجرد مشروع للوعظ والإرشاد والتقويم بالسوط والسيف لا يرى في الفنون والآداب سوى رجس من عمل الشيطان!

ولهذا السبب فان فكر الاسلامويين تستعصي تربته تماما على انبات بذور الابداع! لان شرط الابداع هو العقل المفتوح والمتسائل ، هو الوجدان القادر على تكثيف حضور المعاني وصياغة المشاعر والتجارب في قوالب مؤثرة

فكر الاسلامويين لا يحتفي بالإنسان ولا يتعاطف معه، ولا يقيم له وزنا، وليست لديه مساحة للشك او التساؤل او التسامح ، وليس لديه رحابة قبول التنوع والاختلاف وتعددية طرق الوصول للحقيقة، لا يعترف بالتضاريس الوعرة وتعرجاتها المعقدة في عوالم البشر النفسية والاجتماعية ، ولكل ذلك هو فكر بطبيعته البنيوية يطرد الفنون والآداب ويجفف منابع الإبداع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى