من إدارة الصراع إلى صناعة المستقبل

من إدارة الصراع إلى صناعة المستقبل
فاطمة مصطفى الدود
ليست كل الحروب تُحسم بالبندقية، وليست كل الانتصارات تُقاس بما يتحقق في الميدان وحده. فهناك لحظات يصبح فيها الخطاب السياسي جزءًا من المعركة، بل أحد أدواتها في رسم ملامح المرحلة القادمة.
من هذا المنطلق، جاء خطاب الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام و الوحدة ، ليقدم رؤية تتجاوز الحديث عن الواقع الآني، إلى محاولة رسم ملامح سودان جديد يقوم، وفق ما طرحه، على تغيير معادلات القوة، وإعادة صياغة أساليب إدارة الصراع، والانطلاق نحو مرحلة تختلف عن كل ما سبقها.
أكثر ما استوقفني في الخطاب لم يكن مجرد تكرار مفردة “التغيير”، بل الطريقة التي قُدمت بها. لم تُطرح باعتبارها أمنية أو شعارًا سياسيًا، وإنما باعتبارها تحولًا يراه قد بدأ بالفعل، وأن المرحلة القادمة لن تُدار بالأدوات القديمة ولا بالعقلية التي حكمت السودان لعقود. إنها دعوة إلى قراءة المشهد بعين جديدة، وإدراك أن موازين القوة لا تبقى ثابتة، وأن من لا يطور استراتيجيته سيجد نفسه خارج معادلات المستقبل.
ولعل الرسالة الأبرز التي حملها الخطاب هي أن القوة ليست مجرد تفوق عسكري، بل هي نتاج رؤية، وانضباط، وقدرة على التكيف مع المتغيرات. فالحروب الحديثة لا تُحسم بالعتاد وحده، وإنما بحسن إدارة الموارد، ودقة التخطيط، ومرونة التكتيك، والقدرة على الانتقال من الدفاع إلى المبادرة عندما تتهيأ الظروف.
وفي هذا السياق، جاء تشديده على عدم تصوير المعارك أو نشر أي مواد ميدانية خارج الجهات المختصة، وهو توجيه يعكس، وفق ما ورد في الخطاب، أهمية الانضباط والمحافظة على سرية المعلومات المرتبطة بالعمليات. ففي زمن أصبحت فيه المعلومة جزءًا من الصراع، يغدو ضبط تداولها عنصرًا مؤثرًا في إدارة أي مواجهة.
ولم يكن الخطاب عسكريًا في لغته فحسب، بل حمل بعدًا إنسانيًا واضحًا حين توجه إلى الجنود بكلمات التقدير والثقة، مؤكدًا أهمية الثبات والمسؤولية في هذه المرحلة. كما ترحم على الشهداء، مستحضرًا تضحياتهم باعتبارها جزءًا من المسيرة التي تحدث عنها، في رسالة هدفت إلى تعزيز الروح المعنوية وترسيخ قيمة الوفاء لمن فقدوا أرواحهم.
كما بدا الخطاب حريصًا على بث الثقة بأن مشروع التغيير لا يقوم على ردود الأفعال، بل على رؤية تعتبر أن السودان يقف أمام مرحلة تاريخية تتطلب إعادة بناء المؤسسات، وصياغة علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع. وهذا ما منح الخطاب بعدًا سياسيًا يتجاوز حدود اللحظة، ويضعه في إطار مشروع يسعى إلى الانتقال بالسودان من إدارة أزمات متراكمة إلى بناء مستقبل مختلف.
ولعل الرسالة الأعمق التي حملها الخطاب هي أن التغيير، كما قُدم فيه، ليس حدثًا عابرًا ولا رد فعل على واقع قائم، بل مشروع يتطلب إرادة، ورؤية، وانضباطًا، وقدرة على مواكبة التحولات التي يشهدها السودان والمنطقة. فصناعة المستقبل لا تبدأ عندما تنتهي الصراعات، بل عندما تتحول تضحيات الحاضر إلى مشروع وطني يُعيد تعريف الدولة، ويؤسس لمرحلة جديدة تستند إلى قوة الإرادة، ووضوح الرؤية، والثقة في أن الغد يمكن أن يكون مختلفًا.
ومن هنا، لم يكن الخطاب مجرد حديث عن إدارة الصراع، بل دعوة إلى التفكير فيما بعد الصراع؛ حيث لا يكون التحدي الأكبر هو كسب المعارك، وإنما كسب المستقبل.




