كردفان حتمية التاريخ وذاكرة الأرض التي لا تخون (19/01/1883م )

كردفان حتمية التاريخ وذاكرة الأرض التي لا تخون (19/01/1883م )

د. خالد النيل جمعة سهل

على تلك الرقعة الممتدة من جغرافية الوطن، لا تُكتب الأسماء في كتب التاريخ بالمداد، بل تُحفر في ذاكرة التراب بملامح الكدح، وصبر البادية، وصلابة الاحتمال. كردفان ليست مجرد اسم لمساحة جغرافية أو إقليم يمر بظروف سياسية عابرة؛ إنها سيرة أرض صاغ إنسانها وجوده عبر عرق السنين، ومنعطفات التاريخ التي كلما تكاثفت فيها المحن، نهض من أعماقها السؤال الأزلي  هل تصنع القوة المجردة مستقبل الأمم؟، أم أن الكلمة الأخيرة تظل دومًا لإرادة الشعوب حين تقترن بالعدل والوعي؟.

تعاقبت على هذه الأرض السلطات، وتبدلت خرائط النفوذ كما تتبدل الفصول. ارتفعت رايات وسقطت أخرى، غير أن الثابت الوحيد عبر هذا الامتداد الزمني هو أن الأرض لا تمنح ولاءها إلا لمن يعمرها، وأن المجتمعات التي تحفظ تماسكها الإنساني والاجتماعي تظل أكثر بقاءً من كل سلطة طارئة مهما بدا بطشها ممتدًا، ومهما توهمت أن السيطرة على الجغرافيا تعني امتلاك التاريخ.

إن العودة إلى الماضي ليست استدعاءً للخصومات أو نكئًا للجراح، بل هي محاولة واعية لفهم منطق التحولات واستخلاص السنن. فالتاريخ في جوهره لا يرحم القوة حين تتجرد من الأخلاق والعدالة، ولا يمنح الاستقرار لمن يتجاهل نبض الشعوب واحتياجاتها. وبينما تتغير الأسماء والوجوه، تبقى الحقيقة الناصعة  إن الدول تُبنى بالعدل، وتنهار جدرانها حين يختل ميزانه.

في ستينيات القرن التاسع عشر وما تلاها، لم تكن كردفان مجرد مديرية نائية في حواف دولة الاستعمار التركي المصري؛ بل كانت مسرحًا مفتوحًا للصراعات الصامتة والعلنية، ومركبًا معقدًا من الاضطراب القبلي، والتعسف المالي الذي أنهك البادية وأوصل البلاد إلى حافة الغليان. تكشف أوراق تلك الحقبة عن دراما تتداخل فيها دماء الشيوخ مع صفقات الدفاتر المالية، وحركات تجار الجلابة في عتمة الليل، قبل أن تهب نسائم التغيير الكبرى.

تفجرت شرارة الأحداث آنذاك بالخلاف الحاد بين إلياس باشا “أمبرير” وأحمد بك دفع الله، ولم تلبث الأحقاد السياسية والشخصية أن اتخذت طابعًا دمويًا بمقتل الشيخ علي كنونة (شيخ عموم الغديات). ضاق المظلومون ذرعًا بجور جباة الضرائب وتجاوزات وصلف الجند المكلفون آنذاك بجمع الضرائب (السناجك والباشبوزق)، حتى تلخص الوجع الشعبي في مثلهم السائر: «عشرة في تربة ولا ريال في الطلبة!»؛ إشارةً إلى أن الموت كان أهون عليهم من سياط الجباية الظالمة.

ولم تكن عاصمة المديرية بأحسن حالاً من أطرافها؛ فقد قبض عبد المجيد “أبو نخرة” (ناظر مركز المدينة) على مفاصل الجباية بيد من حديد. كان يضاعف ضرائب “العتب” و”الويركو” على البسطاء والضعفاء، بينما يغض الطرف هيبةً ورعونةً عن بيوت الأعيان. وأقام شبكة عيون واستخبارات ترصد القادمين ليلاً استغلالاً لخوفهم من المصادرة، ليبتزهم ماليًا ويفرض عليهم الفدى.

هذا الضغط المتواصل أدى إلى الانفجار الكبير؛ هجمت القبائل التي بايعت محمد أحمد المهدي (كالجوامعة بقيادة الشيخ المنا ابو البتول ) على منطقة التيارة ، دارت معركة طاحنة أبدى فيها المتحصنون دفاعًا مستميتًا شاركت فيه النساء حتى الموت فرارًا من الأسر، وانتهت بسقوط المنطقة، وانضمام أعيان كردفان وكبار رجالها—وعلى رأسهم إلياس باشا والشيخ المكي وحاج خالد العمرابي إلى الحركة الوليدة، حيث التقت إرادة الرفض الشعبي عند منطقة الجنزارة.

تقاطرت القوات نحو الأبيّض كـ “الجراد المنتشر”، مدفوعة بأيديولوجيا التغيير وعزيمة المواجهة. في المقابل، انتظم المدافعون عن “القيقر” من ضباط وجنود أهليين وهجانة ، حيث تلاشت الفوارق الاجتماعية تحت وطأة الرصاص، وشاركت النساء بإمداد المقاتلين بالماء والذخيرة. ولما استعصى الاقتحام المباشر، تحولت الاستراتيجية إلى خنق “القيقر” بحصار محكم للآبار والمؤن، حتى أُحكمت الحلقة بسقوط “بارة” وتصفية تجريدة “أبو كوكة” القادمة للإمداد.

ومع استطالة أمد الحصار لستة أشهر، تهاوت الأوضاع المعيشية إلى القاع؛ قفزت أسعار الذرة إلى أرقام خيالية بلغت مئات الريالات للكيلة الواحدة. ولدرء غائلة الموت جوعًا، أكل المحاصرون ثمار “الهجليج” (اللعلوب)، وقلوْا “القرض”، وعجنوا الصمغ العربي، بل وطبخوا جلود “العناقريب” الجافة.

أمام هذا الجدار المغلق، لم يبقَ أمام القيادات الإدارية والعسكرية وفي مقدمتهم محمد سعيد باشا وعلي بك شريف وأحمد بك دفع الله سوى أن يبعثوا بخطابات رسمية مختومة بختم المديرية إلى المهدي يطلبون الأمان ويعلنون الاستسلام. جاء الرد عبر خليفته عبد الله التعايشي وأحمد ود سليمان بشروط صارمة: التسليم الكامل للعتاد، والخروج في طابور مشاة خالي الأيدي تمامًا من أي مظهر من مظاهر القوة أو السلاح.

تجسدت مرارة الهزيمة حين خرج حكام المدينة والضباط من مقر المديرية باتجاه الجنزارة؛ خيمت الكآبة والوجوم على الطابور المنكسر تحت أنظار خصومهم، ليُسدل الستار على مرحلة كاملة من الحكم التائه عن نبض الناس.

لقد كان سقوط الأبيّض وتحريرها في ذلك الوقت بمثابة المسمار الأخير في نعش الاستعمار التركي-المصري في الإقليم والسودان؛ إذ لم يكن مجرد نصراً عسكرياً عابراً، بل زلزالاً هدم أركان المنظومة الإدارية والعسكرية للعهد القديم،واهتزت اركان قصر عابدين في القاهرة والباب العالي في اسطنبول  وأعلن نهاية حقبة من السيطرة المفروضة من الخارج .

إن استعراض هذه الصفحات المطوية ليس مجرد نزهة  في أروقة الماضي، بل هو مرآة صقيلة تنعكس عليها مشاهد الواقع الراهن في السودان وفي إقليم كردفان على وجه الخصوص.

إن المتأمل في تجليات الأزمة الحالية يدرك بوضوح أن التاريخ يعيد نفسه بذات التفاصيل والمعادلات، وإن اختلفت أشكال السلاح وأسماء الفاعلين.

مثلما أدى العسف المالي وتغليب الحسابات الضيقة في القرن التاسع عشر إلى انفجار الموقف وتبدل ولاءات الأعيان والقبائل، يشهد الواقع الراهن ذات الانسداد السياسي والإداري، حيث تدفع المجتمعات المحلية ثمن الصراعات المركزية، وتواجه الأقاليم التهميش والضغط والاقتتال نيابة عن طموحات النخب.

إن مشهد حصار الأبيّض قديمًا وتهاوي الأوضاع المعيشية حتى أكل الناس جلود الأسِرّة والصمغ العربي، يتكرر اليوم بصورة أشد قسوة في مدن سودانية عدة تُحاصر فيها الحياة، ويثقل كاهل المواطن الأعزل بغلاء السلع وتوقف الإمداد، ليبقى الإنسان البسيط هو الخاسر الأكبر .

إن الصراعات القبلية وتصفية الحسابات التي سبقت سقوط الإدارة القديمة في كردفان تجد صداها اليوم في محاولات تمزيق النسيج المجتمعي الكردفاني والسوداني. لكن تجربة التاريخ تؤكد أن السلطات العابرة والجيوش المنفصلة عن مجتمعاتها تذهب وتتغير، بينما تبقى المجتمعات المتماسكة هي العاصم الوحيد للبلاد من الانهيار الكلي.

إن المشهد الأخير في الجنزارة حين خرج كبار الضباط والحكام تجردهم شروط الاستسلام من كل سلاح يحمل درسًا بليغًا لكل سلطة أو طرف يعتقد أن امتلاك العتاد العسكري وحدها يكفي لإدارة مجتمع أو تركيع شعب. إن السلاح بلا عدالة ولا مشروع جامع ليس إلا تأجيلاً لسقوط محتوم .

مثلما كانت الأبيّض بالبارحة نقطة التحول الكبرى التي دقّت المسمار الأخير في نعش الحقبة الاستعمارية القديمة، فإن الأبيّض اليوم تقف مجدداً في قلب المعادلة الوطنية لتحدد مصير السودان بأكمله. إنها تتأهب لافتتاح حقبة جديدة تُنهي إلى غير رجعة كافة أشكال الإقصاء وسلب إرادة الأهالي، وتضع حداً نهائياً وهيمنة أبدية احتكرت فيها نخب المركز سلطة البلاد وثروة الهامش على حساب أصحاب الأرض الحقيقيين.

تُعلمنا كردفان عبر سيرتها الممتدة ان الأرض تعود دائمًا لأصحابها الذين يعمرونها بالصبر والكدح، وأن أي ترتيبات سياسية أو عسكرية تتجاهل كرامة الإنسان وعدالة العيش هي ترتيبات مؤقتة، مهما تطاول ليلها.

إن السودان اليوم، وهو يقف في قلب العاصفة، أحوج ما يكون إلى استيعاب سنن التاريخ الكبرى، أن القوة بلا عدل وهَم، وأن الظلم والتضييق لا يبني دولة، وأن طوق النجاة الوحيد يكمن في استعادة الميزان الأخلاقي والسياسي، ونبض الشعوب التي طال احتمالها.

ستبقى كردفان حاضرة، لا بأسماء من مروا عليها من الحكام والجيوش، بل بصلابة إنسانها الذي علمته البادية أن بعد كل جفاف خريفًا، وأن الكلمة الأخيرة في كتاب هذه الأرض… ستظل دومًا لإرادة أهلها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى