مقال توثيقي حول مجلس الجالية السودانية في سلطنة عمان

مسيرة التأسيس بين آمال الوحدة وتحديات الواقع

مقال توثيقي حول

مجلس الجالية السودانية في سلطنة عمان _ مسيرة التأسيس بين آمال الوحدة وتحديات الواقع
د. مبارك إبراهيم

تعتبر تجربة تكوين مجلس للجالية السودانية في سلطنة عمان واحدة من التجارب المهمة في تاريخ العمل العام خارج الوطن، فقد جاءت الفكرة في الأساس استجابة لحاجة أبناء الجالية إلى جسم جامع يمثلهم، وينظم جهودهم، ويحافظ على الروابط الاجتماعية والثقافية بينهم  وبين المجتمع العماني والجاليات الأخرى، و بناءاً عليه وفي الرابع عشر من يناير عام 2005م، عُقد اجتماع بمقر السفارة السودانية في مسقط بهدف تكوين مجلس للجالية وقد شارك في ذلك الاجتماع حوالي (49) شخصاً من أبناء الجالية، في وقت كان فيه عدد السودانيين المقيمين في السلطنة يقدر بحوالي (5،000) سوداني تقريباً .

ورغم أهمية المبادرة، فقد أُثيرت ملاحظات حول طبيعة الاجتماع وتمثيله، إذ رأى البعض و(أنا منهم) أن العدد الذي حضر لا يعكس بصورة كافية التنوع والامتداد الحقيقي للجالية السودانية في السلطنة، ومن هذا المنطلق تم تقديم مقترح بالدعوة إلى اجتماع أكثر شمولاً يتيح مشاركة أكبر عدد ممكن من أبناء الجالية، مع اختيار توقيت مناسب يضمن حضور قاعدة واسعة تمثل مختلف مكوناتها، إلا أن الاجتماع مضى في اتجاه آخر، حيث تمت إجازة مشروع النظام الأساسي، واختيار رئيس للمجلس وعدد (29) عضواً آخرين، الأمر الذي أثار اعتراضات من بعض أبناء الجالية الذين رأوا أن تأسيس المجلس بهذه الصورة لا يحقق مبدأ التمثيل الحقيقي والشامل .

وانطلاقاً من حرصنا على تصحيح المسار فقد تم جمع حوالي (1،000) توقيع من أبناء الجالية، للمطالبة بإعادة النظر في الطريقة التي تم بها تكوين المجلس، والدعوة إلى لقاء أوسع يشارك فيه أكبر عدد من ابناء الجالية لمناقشة مشروع النظام الأساسي وتكوين مجلس منتخب يعبر عن تطلعاتهم وآمالهم، و استناداً على ذلك تم عقد لقاء تفاكري ضم عدداً من مكونات ورموز الجالية السودانية في سلطنة عمان، وتم التوافق على عدد من المباديء الأساسية التي من أبرزها الدعوة إلى عقد جمعية عمومية، شاملة تضم جميع أبناء الجالية،  مناقشة وإجازة مسودة النظام الأساسي المقترحة،  انتخاب رئيس وأعضاء لمجلس الجالية بطريقة ديمقراطية تضمن المشاركة والفاعلية .

وبالفعل تم تشكيل مجلس جديد اتسم في بداياته بالتجانس والتوازن، وعكس صورة مشرقة للسودانيين، وعزز من الروابط الاجتماعية بين أبناء الجالية، ومد جسور التواصل مع المجتمع العماني والجاليات الأخرى، إلا أن مسيرة المجلس لم تستمر بنفس الروح التي بدأت بها، حيث دخلت لاحقاً عوامل أخرى أثرت على أدائه، من بينها تضارب المصالح الشخصية، والتجاذبات والاستقطابات السياسية، مما أدى إلى حالة من التشرزم والانقسام أضعفت دور المجلس وأبعدته عن اهدافه الاساسية .

ولا يمكن الحديث عن هذه المرحلة دون الإشادة بالرعيل الأول من المؤسسين الذين وضعوا اللبنات الأولى للمجلس، فقد كانوا قدوة للعمل العام المتجرد، نترحم على أرواح من رحل منهم، ونقدر جهودهم في بناء تجربة كان من الممكن أن تصبح نموذجاً نرتكز عليه في استمرارية المجلس، لكن مع مرور الوقت، بدأت الخلافات تتصاعد، ودخلت بعض العناصر ذات الأجندات الخاصة، مما أدى إلى حالة من الاستقطاب الحاد، وانعكس ذلك على علاقة أبناء الجالية بالمجلس، حيث عزف كثيرون عن المشاركة في الانتخابات والفعاليات المرتبطة به، وأصبحت نسبة المشاركين في الدورات الانتخابية محدودة جداً مقارنة بالعدد الكلي لأبناء الجالية السودانية في سلطنة عمان.

لذلك فان الواقع الحالي يفرض علينا جميعاً مراجعة التجربة بكل شجاعة وموضوعية، بعيداً عن تصفية الحسابات أو البحث عن زعامات فردية، باعتبار أن الجالية السودانية في سلطنة عمان أكبر من أي خلافات أو انقسامات، وهي بحاجة اليوم إلى مشروع جامع يعيد الثقة بين أبنائها، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار،  كما أن إعادة بناء المجلس تحتاج إلى إرادة حقيقية من الجميع، تقوم على الشفافية، والتمثيل العادل، واحترام التنوع، والابتعاد عن الاستقطاب السياسي والمصالح الضيقة، فالجالية التي استطاعت في بداياتها أن تتوحد حول هدف مشترك قادرة اليوم على استعادة ذلك الدو ، إذا توفرت النوايا الصادقة .

وفي ظل الظروف التي يمر بها السودان اليوم، تزداد الحاجة إلى تماسكنا، لنكون سنداً لوطننا وأهلنا وصورة مشرفة للقيم السودانية السمحة، ولا شك في إن تجربة مجلس الجالية السودانية في سلطنة عمان ليست مجرد قصة جسم إداري، بل هي جزء من تاريخ مجتمع كامل،  فيها اشراقات النجاح، وفيها أيضاً دروس الإخفاق، والمطلوب منا جميعاً أن نستفيد منها لبناء مستقبل أفضل وأكثر وحدة وتماسك .

سلطنة عمان

2026/7/18

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى