ما الذي تحرسه المحرمات؟ (الجزء الثاني)

ما الذي تحرسه المحرمات؟ (الجزء الثاني)
د. الوليد آدم مادبو
في المقالة السابقة تحدثت عن مراحل نضج الرغبة الإنسانية؛ من الاشتهاء، إلى الانتقاء، ثم إلى الاكتفاء. لكن بقي سؤال أكثر عمقاً يؤجل نفسه بإلحاح: لماذا تعجز بعض المجتمعات، رغم كثافة خطابها الأخلاقي والديني، عن ترجمة هذا الخطاب إلى سلوك اجتماعي متماسك؟ ولماذا تبدو بعض المجتمعات التي ترفع شعارات الفضيلة أكثر ابتلاءً بظواهر كالتحرش الجنسي من مجتمعات أقل وعظاً، وإن كانت أكثر تحرراً؟
ولست أزعم أن المجتمعات المتدينة أكثر انحرافاً، ولا أن المجتمعات المتحررة أكثر فضيلة؛ فمثل هذه الأحكام العامة لا تصمد أمام البحث العلمي، ولا أمام التعقيد الهائل الذي يميز التجارب الإنسانية. وإنما أجادل بأن السؤال الحقيقي يقع في موضع آخر: كيف يتكون الضمير؟ وهل تكفي القوانين والخطب والمواعظ لصناعة إنسان أخلاقي، أم أن الأخلاق لا تستقر إلا حين تتحول إلى قناعة داخلية؟
ومن هنا تنطلق فرضيتي: القانون لا يصنع الضمير، وإنما يحرسه. أما الضمير نفسه فلا يتكون إلا بتربية فلسفية وأخلاقية تسمح للإنسان بأن يفهم القيمة قبل أن يُطالب بالامتثال لها. فإذا غابت هذه التربية، تحولت القوانين إلى أدوات ردع، وتحول الوعظ إلى أوامر، وبقي الإنسان ممزقاً بين ما يُعلن وما يعيشه.
الوعظ بلا تربية
الوعظ الذي لا تصحبه تربية نقدية لا يكتفي بالفشل، بل قد يأتي بنتيجة معاكسة تماماً لمقصده. فحين يُقال للإنسان: “لا تفعل”، من غير أن يُشرح له لماذا، ومن غير أن يُتاح له أن يناقش الإطار الأخلاقي الذي يُطلب منه الانصياع له، فإن الكبت لا يُنتج فضيلة، بل يُنتج ازدواجية. يتعلم الإنسان أن يُخفي رغبته، لا أن يهذبها، وأن يتحايل على القاعدة، لا أن يقتنع بها.
وهذا فارق جوهري بين ما وصفه ابن القيّم بالمجاهدة، وهي جهد واعٍ يبذله الإنسان على نفسه بعد أن يدرك غاية هذا الجهد، وبين الكبت المفروض من الخارج، الذي لا يطلب من الإنسان أن يفهم، وإنما أن يمتثل فحسب. فالمجاهدة تنقل الإنسان من الصراع مع الرغبة إلى تهذيبها، بينما يترك الكبت الرغبة على حالها، لكنه يدفعها إلى الاختباء وراء الأقنعة.
وإذا كان الوعظ وحده لا يصنع ضميراً، فمن أين يتشكل هذا الضمير؟ هنا يظهر عامل جديد لم تعرفه المجتمعات التقليدية بهذه الكثافة: الواقع الرقمي.
الواقع الرقمي والانفصال الوجداني
لم يعد الإنسان يعيش داخل عالم واحد، بل داخل عالمين متوازيين. ففي واقعه الاجتماعي يسمع خطاباً أخلاقياً يدعوه إلى الانضباط، بينما يرى، عبر شاشة هاتفه، عالماً آخر تحكمه قيم مختلفة تماماً، يقوم على الحرية الفردية والانكشاف الدائم وتعدد أنماط العلاقات. والمشكلة ليست في وجود العالمين، بل في غياب الإطار الفكري الذي يمكّنه من التوفيق بينهما.
ويمكن فهم هذه الحالة من خلال مفهوم “اللامعيارية” (Anomie) عند إميل دوركهايم. فاللامعيارية ليست مجرد غياب للقواعد، وإنما حالة يفقد فيها الإنسان إحساسه بوجود معيار متماسك يستطيع أن ينظم سلوكه. والمفارقة أن دوركهايم استخدم هذا المفهوم لتفسير الاضطراب الذي يصاحب الحرية المفرطة في المجتمعات الحديثة، بينما نجد أنفسنا هنا أمام صورة معكوسة: فالاضطراب لا ينشأ من غياب القواعد، بل من وجود قواعد معلنة لا تتطابق مع الواقع الذي يعيشه الأفراد فعلياً، ولا يُسمح لهم حتى بالاعتراف بهذا التناقض.
وحين يصبح الواقع هو المربي الفعلي، بينما يبقى الخطاب الأخلاقي منفصلاً عنه، لا تتعثر الأخلاق فحسب، بل تتعثر عملية النضج نفسها.
من الانتقال السلس إلى التأرجح المضطرب
في المقالة السابقة وصفت الانتقال بين الاشتهاء والانتقاء والاكتفاء بأنه مسار طبيعي لنضج الرغبة الإنسانية. غير أن هذا المسار يفترض وجود حد أدنى من الحرية الفكرية والوجدانية؛ حرية أن يخطئ الإنسان ويتعلم من خطئه، وأن يناقش القاعدة قبل أن يلتزم بها، وأن يكتشف بنفسه الحكمة الكامنة وراءها.
أما حين تُصادر هذه الحرية، فإن الإنسان لا ينتقل بين هذه المراحل انتقالاً متدرجاً، وإنما يتأرجح بينها اضطراباً. فتارة يعيش اشتهاءً مكبوتاً لا يجد منفذاً مشروعاً فينفجر بصورة عنيفة، وتارة يتظاهر باكتفاء لم يبلغه أصلاً، وتارة يجمع بين الحالتين معاً؛ انتقاءً معلناً أمام المجتمع، واشتهاءً مخفياً في حياته الخاصة.
وهذا، في تقديري، هو الفارق بين مجتمع يُنضج أفراده أخلاقياً، ومجتمع يكتفي بإخفاء الفجوة بين ما يُعلَن وما يُعاش. فإخفاء المشكلة لا يعني حلها، كما أن الصمت عن الرغبة لا يعني تهذيبها.
القانون حارسٌ للضمير
إذا كان الاضطراب يبدأ داخل الفرد، فإن أثره لا يلبث أن ينعكس على المجتمع كله. وهنا يفيدنا ابن خلدون بمفهوم العصبية؛ لا بوصفها تعصباً أعمى، وإنما باعتبارها رابطة اجتماعية تقوم على شعور الأفراد بانتمائهم الحقيقي إلى منظومة من القيم المشتركة. فالمجتمع لا يتماسك لأن قوانينه صارمة، وإنما لأن أبناءه يؤمنون، في الحد الأدنى، بشرعية تلك القوانين وبالقيم التي تستند إليها.
ومن هنا يبدو لي أن السؤال ليس: أيهما أفضل، القانون أم الحرية؟ ولا حتى: القانون أم تصور العلاقة بين الرجل والمرأة؟ بل السؤال الأعمق هو: هل القاعدة الأخلاقية أصبحت جزءاً من الضمير، أم بقيت أمراً خارجياً يخشاه الإنسان ما دام تحت نظر المجتمع؟
فالقانون لا يخلق الأخلاق من العدم، وإنما يحميها بعد أن تستقر في الضمير. إنه يشبه السور الذي يحرس البستان، لكنه لا يستطيع أن يُنبت الأشجار. فإذا لم تنشأ القناعة الأخلاقية داخل الإنسان، تحول القانون إلى مجرد أداة ردع، يخشاها الناس في العلن ويتحايلون عليها في الخفاء. أما إذا استقر الضمير، أصبح القانون ضمانة للعدل، لا بديلاً عن الفضيلة.
ولذلك ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات كثيراً ما نخلط بينها: القانون الذي يردع، والضمير الذي يهذب، والثقة الاجتماعية التي تجعل احترام الآخر سلوكاً تلقائياً لا يحتاج في كل لحظة إلى رقابة أو عقوبة. وحين تختلط هذه المستويات، يصبح من السهل أن نخلط بين التدين الحقيقي والامتثال الظاهري، أو بين التحرر الأخلاقي والانفلات السلوكي.




