شرط الحوار

شرط الحوار

صباح محمد الحسن

طيف أول:

العلن مقداره فاصلة،

نبتت حين تيبّس النداء،

ليطلق صرخة قريبة ستكون ملء الفضاء الرحب،

تكشف بواطن الزيف!!

ودعوة رئيس المجلس الانقلابي عبد الفتاح البرهان للحوار السياسي الشامل داخل السودان، والتي قال إنه لا يستثني سوى الذين تلطّخت أيديهم بدماء الشعب السوداني، هي دعوة تكشف محاولة الجنرال لإعادة ضبط السردية القائمة على تحويل الجدل من مسؤولية الحرب ، إلى نقاش يدور حول من يحق له المشاركة في الحوار. وهذا الأسلوب درجت عليه الأنظمة العسكرية التي تحاول احتكار تعريف الشرعية.

وإذا كان معيار الحوار هو “عدم تلطّخ الأيدي بالدماء”، فإن البرهان موضوعيًا لا يمكن أن يكون مستثنًى من هذا الشرط، فالجنرال لم يغسل يديه حتى الآن!! فهذا الأمر يستبعده من الطاولة.

والمستمع لنبرة الخطاب يجدها غير منسجمة مع الوعي السوداني، وكأنها صيغت بعقل سياسي خارجي لا يدرك حساسية الذاكرة السودانية تجاه الدماء، ولا يعرف أن السودانيين لا يقبلون بسهولة خطاب “البراءة الأخلاقية” من طرف متورّط في الحرب يواجه اتهامات دولية.

فالشعب السوداني لديه وعي عميق بتاريخ الدم والانقلابات لذلك عندما يتحدث البرهان عن “استبعاد من تلطّخت أيديهم بالدماء”، فإن أي سوداني يسمع الجملة سيطرح السؤال نفسه: أليس هو أول من يشمله هذا الوصف!!

هذا النوع من الأخطاء في الخطابات لا تصدر عادة عن عقلية سياسية سودانية متمرّسة بهذه المباشرة، لأنها تعرف نبض الشارع فعندما تكون لغة الخطاب متأثرة بمزاج خارجي، يتم تجاهل الوعي الشعبي السوداني ويوجَّه الخطاب للفاعلين الإقليميين والدوليين أكثر من كونه موجَّهًا للداخل، لذلك يبدو متناقضًا.

ويبدو أن الدول التي كانت تراهن على “الحسم” وصلت إلى قناعة بأن البرهان فشل في الحل العسكري، وبدأت الآن تدفعه نحو تسوية سياسية تفصّلها على مقاس مصالحها.

فالجنرال الذي عجز عن تحقيق النصر ودحر التمرد لأكثر من ثلاث سنوات، أصبح يدرك أن البقاء خارج هذا المسار يعني العزلة والإقصاء من أي ترتيبات مستقبلية، وربما يجد نفسه قريبًا أمام منصات العدالة.

لذلك ربما تعمّد هندسة “صورة سياسية” ترضي الخارج وتعيد تقديمه كقائد “حوار”، رغم مسؤوليته عن الحرب والحصار المفروض عليه كقائد “منتهك”.

والدعوة تعتبر قلب المأزق السياسي والأخلاقي الذي يعيشه البرهان اليوم، فالرجل رفض الحوار منذ بداية الحرب وقبلها في الإطاري، وعاد وقال : “المجد للبندقية”، وأعلن “الحسم”، واعتبر السياسة ترفًا.

فكيف يعود الآن ليطرح نفسه راعيًا للحوار في ظل استمرار الحرب وما ارتكبه قبلها من جرائم؟

فجريمة فضّ الاعتصام وحدها كفيلة بإبعاده عن طاولة “الأيادي البيضاء”.

وهذه الدعوة تحديدًا يقرّ فيها بعجزه عن فرض مشروعه بالقوة، وأنه يواجه نقطة انسداد جعلته يعود إلى خيار الطاولة التي كان يسخر منها!!

والسؤال: هل يمكن للحوار أن يبدأ من نقطة ما قبل الحرب!!

فعقارب الساعة لا تعود إلى الوراء.

والبرهان يستخدم معيارًا أخلاقيًا انتقائيًا يجرّم خصمه ويبرّئ نفسه، لكن الواقع يقول إنه مسؤول عن الدماء. وبالتالي فإن استبعاده للدعم السريع لا يقوم على أساس أخلاقي متماسك، بل على محاولة سياسية لإقصاء الخصم واحتكار الشرعية!!

وحوار بلا محاسبة هو مجرد تسوية سياسية ناقصة، لأن الجنرال يحاول تجاهل جذور الأزمة (الدماء والانتهاكات والجرائم التي ارتُكبت بحق الشعب) .

ومعلوم أن الحوار بلا محاسبة قد يوقف القتال مؤقتًا، لكنه لا يصنع سلامًا دائمًا، بل يترك الجروح مفتوحة ويعيد إنتاج الأزمة في المستقبل.

فقائد الدعم السريع، قال بوضوح إنه مستعد لتسليم المجرمين، أي إنه يعترف بوجود جرائم داخل قواته. لكن البرهان بهذه الدعوة ولا بغيرها لم يعترف بالجرائم من الأساس، بل يقدّم الجيش كـ”مؤسسة نظيفة” رغم كل التقارير الدولية التي أثبتت انتهاكات الجيش. وهذا يعني أنه يحاول أن يبقى في هذه المنطقة الوسطى، منطقة الحماية التي توفرها استمرارية الحرب.

حتى المنشقون من الدعم السريع وجدوا أن الاحتماء بالجيش أفضل من مواجهة المحاسبة، طالما أن حميدتي سيقدّمهم بلا تردد؛ فالجيش لا يفتح ملفات الجرائم ولا يقرّ بوجود مجرمين في صفوفه، لذلك أصبح الملاذ الآمن لكبار المنتهكين والمجرمين في الحرب!!

والحوار لا يمكن أن يتم في ظل الطائرات المسيّرة، بل يحتاج إلى وقف إطلاق النار أولًا، وإلى اعتراف بمبدأ المحاسبة ثانيًا، وإلى إرادة سياسية ثالثًا.

أما غير ذلك، فليس حوارًا بل مناورة سياسية. فلا يمكن أن تُبنى تسوية بينما الدماء تسيل، ولا يمكن أن تُبنى ثقة بينما الطائرات تضرب.

فالحوار يحتاج إلى أرض سلام، لا سماء حرب.

ولن يكون هناك حوار ناجح إلا بين طرفي الحرب، وما دونه ما هو إلا مناورات سياسية فاشلة.

طيف أخير:

#لا_للحرب

غدًا على “الأطياف” قراءة لزيارة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، مدير عام جهاز المخابرات العامة، إلى روسيا، وماعلاقتها بزيارته الأولى لأمريكا!؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى