“تمويل مشبوه”.. “فضيحة دبلوماسية” تطارد بورتسودان

تحولت الأحداث التي شهدها محيط مبنى اتحاد أوكسفورد في المملكة المتحدة إلى أزمة دبلوماسية أثارت جدلاً واسعاً، بعدما أظهرت مقاطع مصورة توتراً واشتباكات خلال فعالية مرتبطة بالشأن السوداني.
وأظهرت المقاطع أبو بكر شبو وهو يعتدي على محتجين سودانيين، ما دفع الجهات المنظمة إلى فتح تحقيق في الواقعة، قبل أن يتم إلغاء اللقاء الذي كان من المقرر أن يديره يوسف يحيى، نجل أحد المسؤولين السابقين في عهد الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير.
وبحسب مصادر سودانية، أثارت الحادثة تساؤلات واسعة حول طبيعة التحركات المرتبطة بالحراك السوداني في الخارج، وسط حديث عن تمويلات خُصصت للتأثير على نشاطات المعارضة السودانية خارج البلاد.
وأضافت المصادر أن جزءاً من تلك الأموال كان موجهاً، بحسب ما يتم تداوله، لتعطيل مؤتمر برلين الذي عُقد في 15 أبريل الماضي، في إطار التحركات السياسية المتعلقة بالأزمة السودانية.
وفي ضوء هذه المعطيات، كشفت الحادثة عن تصدير بورتسودان لأساليبها إلى الخارج ما قد يضع مسؤوليها أمام تقييم غربي صارم، خصوصاً أنه كشف اللثام عن طبيعة هذه السلطة واستغلالها الحصانة الدبلوماسية وأنها غير مؤهلة لتمثيل السودان في الخارج.
وقال مصدر سياسي سوداني مقرب من حكومة تأسيس، إن ما جرى يعد “فضيحة دبلوماسية”، موضحاً أن ما حدث خارج مبنى اتحاد أكسفورد، تمثل في إقدام أحد مرافقي رئيس الوزراء كامل إدريس، ويدعى أبو بكر شبو، على دفع محتجين سودانيين ولكم أحدهم، فيما زاد المشهد خطورة تعرض نساء سودانيات للاعتداء.
وأضاف المصدر الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لـ”إرم نيوز” أن الاشتباك موثق بصرياً، والإدانة صدرت رسمياً عن جمعية الطلاب السودانيين في جامعة أكسفورد، مشيراً إلى أن الصورة باتت كافية لتأسيس موقف سياسي واضح، حتى في غياب أي إجراء قضائي حتى الآن.
وأوضح المصدر أن من أدار الجلسة داخل الاتحاد يدعى يوسف يحيى، وهو ابن مسؤول سوداني عمل في عهد البشير، وتمثل دوره في التدقيق ومساءلة رئيس الوزراء كامل إدريس، لا الترويج له، مشيراً إلى أن الاعتداء الذي وقع خارج القاعة أفسد الهدف من أساسه.
واعتبر المصدر أن ما جرى في أكسفورد لم يُقنع الرأي العام البريطاني برواية بورتسودان، بل أظهر مسؤوليها يبدون وكأنهم ينقلون أساليب القمع إلى أرض لا تتقبل هذه الممارسات.
وأكد المصدر أن الشخص الذي اعتُقل كان قد تلقّى مبلغ 250 ألف يورو بهدف تعطيل الفاعلية السياسية للمعارضة السودانية في الخارج، مشيراً إلى أن جزءاً من هذا التمويل كان موجهاً لزعزعة مؤتمر برلين المنعقد في 15 أبريل 2026، بهدف تقويض مسار دبلوماسي كامل يهدف إلى بناء مستقبل السودان.
ولفت إلى أنه إذا ثبت أن من نفذ الاعتداء هو موظف رسمي في السفارة السودانية في لندن أم عنصر من الوفد المرافق، ويتمتع بحصانة دبلوماسية، فقد يؤدي ذلك إلى اعتباره “شخصاً غير مرغوب فيه” وطرده من المملكة المتحدة، وهذا وحده كافٍ لأن يقلق خارجية بورتسودان أكثر من أي بيان إدانة.
مراحل تاريخية
وتابع المصدر قائلاً: إن الطلبة السودانيين في أكسفورد سيدعمون المتضررين في أي خطوة يختارونها، ما قد يُترجَم إلى بلاغات رسمية لدى شرطة وادي التايمز أو إجراءات قضائية مدنية، مرجحاً ألا يطول الصمت البريطاني الرسمي إذا تصاعد الضغط البرلماني أو الزخم الإعلامي.
واختتم المصدر حديثه بالتأكيد على أن السودان يمرّ بواحدة من أقسى مراحل تاريخه، معتبراً أن هذه الفضيحة كشفت كيف أن المبالغ الضخمة التي تم رصدها، تهدر في سياق تمويل أعمال الشغب والتخريب، وتمويل البلطجة وإفساد مؤتمرات إعادة الإعمار ما يعتبر جريمة مضاعفة.
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي، الطيب الزين، إن حادثة أكسفورد كشفت عن أزمة عميقة، وعكست حجم الارتباك الذي تعيشه سلطة بورتسودان، ومحاولتها المستمرة لتوسيع صراعها الداخلي إلى الخارج عبر البعثات الدبلوماسية، التي تحولت من أدوات تمثيل الدولة إلى أدوات صراع سياسي، الأمر الذي أضر بصورة السودان وأضعف محاولات السلطة لانتزاع اعتراف دولي فعال.
وأضاف الزين لـ”إرم نيوز” أن إلغاء جامعة أكسفورد للّقاء، يرسل إشارة واضحة إلى المؤسسات الغربية، بأن السلطة الحالية غير قادرة على ضبط ممثليها، وغير مؤهلة لإدارة علاقات دبلوماسية، كما يعزز الانطباع بأن الأزمة السودانية لم تعد محصورة داخل البلاد، بل أصبحت قابلة للتصدير إلى الخارج.
تمثيل السودان
وأشار إلى أن الحادثة كشفت أيضاً أن الجاليات السودانية في الخارج لم تعد صامتة تجاه محاولات السلطة تقديم نفسها كجهة شرعية، فاحتجاجاتهم أمام الوفود الرسمية تعكس رفضاً شعبياً واسعاً، وهو ما تراقبه الحكومات الغربية بدقة باعتباره مؤشراً على مدى قبول السلطة داخل مجتمعها.
وأكد الزين أن سلوك بعض أفراد البعثات الدبلوماسية يوحي باستغلال الحصانة كأداة للتنصل من المسؤولية، وهو ما يثير قلق المؤسسات الدولية، الأمر الذي يؤدي إلى تقييد اللقاءات الرسمية وتشديد الرقابة على الأنشطة الدبلوماسية السودانية في الخارج.
واختتم الزين حديثه بالإشارة إلى أن هذه التطورات منحت الأطراف الأخرى مادة سياسية قوية لإثبات أن السلطة الحالية غير مؤهلة لتمثيل السودان في المحافل الدولية، ما قد يدفع نحو تصاعد المطالب بإعادة هيكلة السلك الدبلوماسي بعد الحرب، ومن يملك حق تمثيل السودان في الخارج.



