من قتل كيكل؟

أدى مقتل عزام كيكل و 14 من أسرة قائد درع السودان أبو عاقلة كيكل في قرية “الكاهلي” بشرق ولاية الجزيرة، إلى فتح أسئلة ملحة أمام الاغتيالات وسط أطراف متنازعة في سلطة بورتسودان.
وكشفت إفادات متطابقة من مصدرين عسكريين، أحدهما في الجيش ببورتسودان والآخر في قوات الدعم السريع بنيالا، عن معطيات جديدة بشأن إستهداف منزل القيادي المعروف بـ”كيكل”، مرجحة وقوف “طرف ثالث” خلف العملية في سياق صراع معقد يتجاوز المواجهة المباشرة بين طرفي الحرب، ويمتد إلى دوائر نفوذ وتحالفات متشابكة داخل معسكر بورتسودان نفسه.
وبحسب المصدر العسكري في بورتسودان، فإن طبيعة الضربة التي إستهدفت منزل أبو عاقلة كيكل تشير إلى مستوى عال من الدقة الإستخباراتية والتخطيط المسبق، موضحًا أن العملية نفذت في توقيت حساس كان فيه المستهدف متواجداً داخل الموقع، وهو ما يعزز فرضية أن الإستهداف كان موجهاً لشخصه بشكل مباشر، وليس مجرد عمل عشوائي أو رسالة ردع عامة.
وأضاف المصدر أن هذا النوع من العمليات يتطلب معلومات دقيقة حول تحركات الهدف، وهو ما لا يتوفر عادة إلا عبر إختراقات داخلية أو تنسيق مع جهات تمتلك قدرات رصد متقدمة.
وفي إفادة لافتة، ركز المصدر ذاته على ما وصفه بـ”الخلافات المتنامية” بين كيكل وكتيبة البراء بن مالك، إضافة لقيادات إخوانية بارزة داخل معسكر بورتسودان.
مشيراً إلى أن هذه الخلافات لم تعد محصورة في نطاق التباين السياسي، بل أمتدت إلى تنافس مباشر على النفوذ الميداني ومصادر القرار وأوضح المصدر العسكري أن كيكل، خلال الفترة الماضية، أتخذ مواقف أعتبرت مناوئة لبعض مراكز القوة المرتبطة بالإسلاميين، سواء عبر إعادة ترتيب تحالفاته أو سعيه لبناء شبكة ولاءات مستقلة، الأمر الذي خلق حالة من الاحتكاك والتوتر المكتوم.
وأشار المصدر إلى أن هذه التباينات ظهرت بشكل أوضح في إجتماعات غير معلنة شهدت نقاشات حادة حول إدارة العمليات العسكرية وتوزيع الموارد، حيث برزت اتهامات متبادلة بشأن إحتكار القرار وتهميش بعض القيادات.
ولفت إلى أن بعض الدوائر الإسلامية تنظر إلى كيكل باعتباره “عنصرًا غير منضبط” داخل المنظومة، وهو توصيف يعكس عمق الخلافات وليس مجرد إختلاف تكتيكي عابر.
ولم يستبعد المصدر أن تكون هذه التوترات قد وفرت بيئة مواتية لحدوث اختراق أمني أو حتى تغذية معلومات لجهة ثالثة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، مؤكداً أن الصراعات الداخلية غالباً ما تفتح ثغرات تستغلها أطراف تسعى لإعادة تشكيل موازين القوة. وأضاف أن الحديث عن “طرف ثالث” لا يعني بالضرورة جهة خارجية بالكامل، بل قد يشمل تحالفات ظرفية أو تلاقي مصالح بين أطراف متضررة من بقاء كيكل في موقعه.
من جانبه، نفى مصدر في قوات الدعم السريع بمدينة نيالا فضل عدم الكشف عن هويته أي تورط للقوات في الهجوم، مشيراً إلى أن الحادثة لا يمكن عزلها عن خلافات سابقة بين كيكل وقائد كتيبة البراء “المصباح”.
وأضاف أن هذه الخلافات شهدت تصعيدًا متكررًا في فترات مختلفة، وقد تمثل أحد المفاتيح لفهم دوافع الاستهداف، لا سيما في ظل تعدد مراكز اتخاذ القرار وتضارب المصالح داخل المشهد العسكري.
ويرى المصدران أن الحادثة تأتي في سياق تصاعد التوترات داخل ما يُعرف بتحالفات الحرب المرتبطة ببورتسودان، حيث برزت في الآونة الأخيرة مؤشرات واضحة على انقسامات وتباينات في الأجندات بين مكونات هذا المعسكر، ما يفتح الباب أمام احتمالات تصفية حسابات داخلية أو إعادة ترتيب مراكز النفوذ بما يتناسب مع تطورات الميدان.
كما لم يستبعد المصدران أن يكون “الطرف الثالث” جهة تسعى لإستثمار حالة السيولة الأمنية والسياسية لتحقيق مكاسب إستراتيجية، سواء عبر إضعاف شخصيات بعينها أو تأجيج الصراعات داخل المعسكرات المتنافسة، وهو ما يجعل من حادثة استهداف كيكل مؤشرا على مرحلة أكثر تعقيدًا من الصراع، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التنافس السياسي والأيديولوجي بشكل يصعب فصله.




