أضواء على مؤتمر الوساطة (إيغاد)

يحذر المؤتمر من خطر تحول “الدول” أو “أجزاء من الدول” إلى سلع للاستحواذ مع تحول “السلام” إلى سلعة تجارية
استضافت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) في يومي ٢٧ و٢٨ أبريل، اجتماعًا هامًا في هذا الظرف تحت شعار:
“إعادة تصور الوساطة في عالم متشرذم: التحدي الذي يواجه القيادة الأفريقية متعددة الأطراف” .
وقد جمع هذا الاجتماع نخبة من الوسطاء والممارسين والباحثين في مجال الوساطة، بالإضافة إلى ممثلين عن منظمات قارية ودولية، وسلط الضوء بشكل كبير على الأزمات غير المسبوقة التي تواجه وساطة السلام، بما في ذلك تلك الناجمة عن التوجه نحو إبرام الصفقات القائمة على المصالح الشخصية وتداعياتها في سياقات مثل السودان.
فيما يلي ملخص موجز عن اجتماع يركز على موضوع ذي أهمية خاصة لهذه المنطقة وأفريقيا والعالم.
حذر موساليا مودافادي، رئيس الوزراء الكيني ووزير الخارجية وشؤون المغتربين،وفي معرض حديثه عن التحدي الذي تفرضه الديناميكيات العالمية المتغيرة على الوساطة، من أن « السلام قد خُصخص، بل ربما أصبح سلعة تجارية» . وأوضح قائلاً: «لأنه بات يتعلق بالمصالح، ولم يعد يتعلق بالإنسانية، ولم يعد يتعلق بالأرواح».
أدلى كبير الدبلوماسيين الكيني بهذا التصريح في كلمته الافتتاحية في مؤتمر الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) المنعقد في نيروبي، كينيا، تحت شعار
«إعادة تصور الوساطة في عالم متشرذم: التحدي الذي يواجه القيادة الأفريقية متعددة الأطراف»،
وهو مؤتمر عقد يومي 27 و28 أبريل/نيسان 2026، ضمن فعاليات الاحتفال بالذكرى الأربعين لتأسيس الهيئة الإقليمية.
عُقد المؤتمر الذي جمع نخبة من الوسطاء المخضرمين وخبراء الوساطة والباحثين من منطقة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) ومناطق أخرى من أفريقيا والعالم، في وقتٍ أشار فيه الأمين التنفيذي للهيئة ومضيف المؤتمر، الدكتور وركنه غيبيهو، في كلمته، إلى أن أفريقيا، وتحديدًا القرن الأفريقي، تمر بمرحلة حرجة، شأنها شأن العالم، تتسم بظهور نظام صراع .
وأثار مودافادي مسألة تسليع السلام، مُفصِّلًا حجته الأساسية بأن “مشهد الوساطة” يواجه “تحديًا مزدوجًا يتمثل في الصراعات المطولة والمتغيرة” و”الديناميكيات العالمية سريعة التغير”. وفي ظل هذه الديناميكيات، طرح تساؤلاً مباشرًا:
- “عندما تلجأ إلى الوساطة، هل تلجأ إليها كمفاوض تجاري؟
- أم كمحكم في الصفقات؟
- أم أنك تلجأ إليها كوسيط حقيقي يسعى إلى تحقيق السلام في البلدان التي تواجه الصراعات؟”
لم يكن رئيس الوزراء الكيني وحده من لفت الانتباه إلى التحدي الذي تُشكّله المقاربات النفعية. فقد أكّد رئيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) على ضرورة مواجهة “التوتر المتزايد بين الوساطة القائمة على المبادئ وإبرام الصفقات النفعية”. ووفقًا للدكتور غيبيهو، فإن “المعضلة الأساسية في عصرنا” هي: “كيف نُنهي العنف سريعًا دون تقويض السلام المستدام؟”
وأشار الخبراء إلى أن الوساطة لم تكن يومًا بمنأى عن المصالح. بل أقرّ الخبراء بضرورة إنهاء القتال، وهو ما تُركّز عليه اتفاقيات السلام النفعية. ومع ذلك، وكما أوضح مارتن غريفيث، وكيل الأمين العام السابق للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، فإن الهدنة أو حتى وقف إطلاق النار وحده لن يكون كافيًا لتحقيق سلام مستدام.
اتفق عبدول محمد، الخبير البارز الذي لعب دورًا محوريًا في وضع تصور المؤتمر بصفته كبير مستشاري الأمين التنفيذي للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، مع غريفيث على أن الهدنة أو وقف إطلاق النار، في غياب اتفاق سلام بشأن القضايا الجوهرية، مُعرّض للانهيار.
وأكد رئيس إيغاد هذه النقطة في كلمته الافتتاحية حين قال إن الوساطة “غالبًا ما تُصبح أداة لإدارة الأزمات بدلًا من كونها وسيلة لحل النزاعات”.
لا يقتصر الأمر على أن إبرام الصفقات التجارية يقتصر على تأمين الهدنة أو وقف إطلاق النار دون الاهتمام بالقضايا الجوهرية، وهو ما يُثير القلق مقارنةً بما أسماه الدكتور غيبيهو “الوساطة المبدئية”، بل يكمن في تركيزها على إبرام الصفقات أو المفاوضات التجارية بدلًا من حل القضايا التي أشعلت فتيل النزاعات.
يرى رئيس الوزراء الكيني أن هذا الأمر ينطوي على خطر أكبر، يتمثل في تساؤله عما إذا كنا نواجه تعريفًا جديدًا للسيادة. فبدلًا من مجرد إبرام صفقات أو معاملات عادية، قال: “نشهد الآن في المحادثات نقاشات حول إمكانية ضم دول أو أجزاء منها، ما يُشكل ديناميكية جديدة تمامً ا”.
وفي بعض أكثر الصراعات إلحاحًا في أفريقيا، كالصراع في السودان، ينطوي هذا على مخاطر جسيمة. ولذا، أكد الممثل الخاص لرئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، السفير محمد بليش، على مركزية المبادئ المتعلقة بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه. وأوضح أن هذه المبادئ “تُشكل ضمانة قانونية وأخلاقية ضد فرض الأمر الواقع “. ومن ثم، شدد على أن “أي عملية سياسية جادة يجب أن تبدأ برفض قاطع لأي مساس بوحدة السودان”.
وأشار سولومون ديرسو، المدير المؤسس لمنظمة أماني أفريقيا في تصريح أدلى به خلال إدارته للجلسات الصباحية، إلى أنه إذا كان هذا التوجه الناشئ يثير الرعب في العالم، فلا بد أنه أشد رعباً بالنسبة لنا في أفريقيا، نظراً لهشاشتنا وتجربتنا المريرة مع عمليات ” الاستحواذ على الدول ” السابقة.
وأكد أن المخاطر الجسيمة التي تنطوي عليها هذه الديناميكيات الناشئة يجب أن تُزيل أي شعور بالرضا عن النفس قد ينتابنا في أفريقيا، وأن علينا التصدي لمخاطر الاستغلالية والمتاجرة.




