ازدواجية الموقف حين يتقدم خطاب المحاور على قرار الدولة

ازدواجية الموقف حين يتقدم خطاب المحاور على قرار الدولة
شهاب إبراهيم الطيب
قصة علاقة إيران بالسودان لم تبدأ اليوم، وإنما تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين اعتلى روح الله الخميني سدة الحكم في طهران، فاعتبرته جماعات الإسلام السياسي في المنطقة انتصارًا لمشروعها العابر للحدود. ومن بين تلك الجماعات كانت “الحركة الإسلامية” في السودان، التي نشط منسوبوها، لا سيما في جامعة الخرطوم، في التبشير بأفكار النظام الإيراني الجديد، وتداول كتابات رموزه داخل الأوساط الطلابية، بل وظهرت آنذاك حالات اعتناق للمذهب الشيعي في بيئة سودانية سنّية خالصة، في ظاهرة بدت معزولة عن السياق الاجتماعي السوداني العام.
تعمّقت العلاقة بعد انقلاب 30 يونيو 1989، حين استولت الحركة الإسلامية على السلطة، وأعادت صياغة السياسة الخارجية للسودان على أسس أيديولوجية. انفتح النظام الجديد على طهران، وتبنى خطابًا متماهياً مع رؤيتها الإقليمية، وتوّج ذلك بتعاون عسكري وأمني وثيق، تجلّى في استلاف تجربة الحرس الثوري وتشكيل المثيل له حينها ما يسمي قوات الدفاع الشعبي والذي تمثله الان كتائب البراء بن مالك والبنيان المرصوص وغيرها من التشكيلات العسكرية المتطرفة، وكذلك تطوير منظومة الصناعات الدفاعية. وبرغم ما تعرض له السودان لاحقًا من تحولات سياسية وضغوط إقليمية أفضت إلى إعلان قطع العلاقات في 2016، إلا أن ذلك لم يُنهِ الإرث العميق الذي راكمته ثلاثة عقود من التداخل التنظيمي والسياسي بين الطرفين.
اليوم، ومع احتدام الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، يعود هذا الملف إلى الواجهة بصورة أكثر تعقيدًا. فالسودان لم يعد فقط ساحة صراع داخلي بين قوتين عسكريتين، بل بات فضاءً تتقاطع فيه مشاريع إقليمية، ويُعاد فيه إحياء تحالفات قديمة تحت ضغط السلاح والحاجة إلى الإسناد.
المستجد الأخطر لا يتمثل في طبيعة العلاقة الرسمية المعلنة فحسب، بل في التصدعات التي بدأت تظهر داخل المشهد السوداني ذاته. فقد أصدرت الحركة الإسلامية السودانية بيانًا أعلنت فيه صراحة دعمها لإيران، في موقف بدا متعارضًا مع الخط الذي عبّرت عنه وزارة الخارجية السودانية الداعم لحلفائها الخليجيين هذا التباين لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحوّل إلى إعلان سياسي صريح يعكس ازدواجية في تمثيل الموقف السوداني خارجياً.
ثم جاء المشهد الأكثر دلالة، حين انتشر مقطع مصوّر للناجي عبد الله ومجموعات من الإسلاميين المقاتلين في صفوف القوات المسلحة، وهم يرددون عبارات تعبّر عن استعدادهم للجهاد إلى جانب إيران، في خطاب يتجاوز حدود المعركة الوطنية إلى اصطفاف أيديولوجي إقليمي. هذا الخطاب لا يمكن فصله عن الخلفية التنظيمية لهؤلاء، ولا عن السياق الذي تسعى فيه الحركة الإسلامية إلى إعادة تموضعها داخل مفاصل الحرب.
صحيح أن الجيش أصدر تصريحًا أوضح فيه أن هذه المواقف لا تعبّر عنه، غير أن حجم النفي لم يوازِ حجم الرسائل التي بُثّت. فحين تصدر دعوات علنية للانخراط في صراع إقليمي باسم “الجهاد”، من داخل معسكرات تقاتل تحت راية القوات المسلحة، فإن الأمر يتجاوز مسألة انضباط خطاب فردي، ليطرح سؤالاً جوهريًا حول طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية وحلفائها الإسلاميين، وحدود التأثير المتبادل بينهما.
هنا تتجلى المعضلة الكبرى: هل يخوض السودان حربًا وطنية لاستعادة الدولة، أم تتحول المعركة تدريجيًا إلى منصة لإعادة إنتاج مشروع أيديولوجي عابر للحدود؟ إن السماح بخطاب تعبوي يستدعي الاصطفاف إلى جانب إيران، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يضع السودان في مواجهة استقطابات لا يحتملها، ويبعث برسائل مقلقة إلى محيطه العربي.
أهداف إيران في السودان لا تنبع من بعد مذهبي، بقدر ما ترتبط بحسابات جيوسياسية دقيقة. فالسودان يطل على البحر الأحمر، ويجاور مصر، ويقع في قلب معادلة أمنية تمس الخليج والقرن الأفريقي. وأي موطئ قدم لطهران في هذه الجغرافيا يمنحها ورقة ضغط إضافية في صراعاتها المفتوحة في الإقليم غير أن الخطورة لا تكمن في الطموح الإيراني وحده، بل في وجود قوى سودانية مستعدة لربط مصير البلاد بذلك الطموح، أملاً في استعادة نفوذ سياسي فقدته بثورة شعبية أطاحت بنظامها في 2019.
لقد غيّرت ثورة ديسمبر ملامح الوعي العام في السودان، ورسخت مطلب الدولة الوطنية المدنية، المتحررة من المحاور الأيديولوجية غير أن الحرب أعادت بعض القوى إلى المشهد من بوابة التعبئة الدينية، مستفيدة من حالة الاستقطاب والخوف الوجودي الذي تفرضه المعارك وهنا يصبح الخطر مضاعفًا: حرب تطيل عمرها التدخلات الخارجية، ومشروع سياسي يسعى إلى استثمارها للعودة إلى السلطة.
إن أي دعم خارجي لطرف من أطراف النزاع، وأي انحراف بالخطاب العسكري نحو اصطفافات عقائدية إقليمية، يعني عمليًا تحويل السودان إلى ساحة حرب بالوكالة وحين تتعدد الولاءات داخل المعسكر الواحد، بين موقف رسمي حذر وخطاب تعبوي منحاز، فإن ذلك يضعف وضوح القرار السيادي ويقوض ثقة الشركاء الإقليميين.
السودان اليوم أمام مفترق طرق. إما أن يحسم أمره باعتبار هذه الحرب شأناً وطنياً خالصاً، لا يُستدعى فيه خطاب “الجهاد” العابر للحدود ولا تُستعاد فيه تحالفات الماضي، وإما أن ينزلق تدريجياً إلى قلب صراع إقليمي مفتوح، يدفع ثمنه من استقراره ووحدته ومستقبله.
إن تحصين القرار الوطني يتطلب موقفًا واضحًا لا لبس فيه، يعزل المؤسسات العسكرية عن أي توظيف أيديولوجي، ويؤكد أن السودان ليس ساحة لتصفية حسابات الآخرين. فالدولة التي تُدار بتعدد المواقف الخارجية، وتُترك فيها المساحة لخطابات تناقض توجهها المعلن، تفتح الباب أمام مزيد من التدخل، وتطيل أمد حرب كان يفترض أن تنتهي بإرادة سودانية خالصة.
الرهان الحقيقي ليس على من يملك السلاح الأكثر تطورًا، ولا على من يرفع شعارًا أكثر صخبًا، بل على من يحافظ على بوصلة الوطن. فالسودان لن يُنقذ عبر الارتهان لمحاور متصارعة، بل عبر استعادة مشروع الدولة الوطنية التي لا تنحاز إلا لمصالح شعبها.




