الفلنقاي: كادرٌ يرتقي بقدر ما ينحني

الفلنقاي: كادرٌ يرتقي بقدر ما ينحني

د. الوليد آدم مادبو

حين يكتب “المستبد الصغير” لا يدافع عن فكرة، بل عن سيرة. وحين يعجز عن مقارعة الحجة، يستعرض بطاقة الهوية. هكذا تبدأ الحكاية: رجلٌ يتهم غيره بالاستكبار، ثم يمضي يعدد فقره القديم، وقراه، ومناصبه، كأنها صكوك غفران. لكنه ينسى أن *التاريخ لا يحاسب الناس على بداياتهم، بل على ما فعلوه حين تمكنوا*.

قال إنه جاء من الفقر. حسنًا. أكثر قادة الإنقاذ جاؤوا من الفقر، ثم أورثوا البلاد فقراً مضاعفًا. استعطفوا الناس بحكايات البدايات، فلما جلسوا على الكراسي *انتقموا من الهامش باسم الهامش، وجعلوا الريف وقودًا لحروبٍ عبثية*. الفقر ليس وسامًا إن تحوّل إلى سلّم، ثم صار سوطًا على ظهور الفقراء.

ثم غرق “المستبد الصغير” في تعداد المناصب: وزير مالية، والٍ، رئيس لجنة. لكن الكل يعلم أن *المناصب في دولة الولاء لم تكن تُمنح بالكفاءة، بل بالانحناء*. وإذا تباهى “سيادته” بالإرث المهدوي وبطولات الأجداد، فإنا نذكره أن محمود ود أحمد لم ينحنِ أمام الجنرال السير ريجنالد وِنغيت، أما أنت فانحنيت أمام علي عثمان، وكانت انحناءتك أطول من خطاباتك.

تحدثت عن البساطة، وعن السكن بالإيجار، وعن الترحال بالحافلات. غير أن *الأسئلة في الخرطوم لا تُجاب بالذكريات، بل بالعقارات*. من أين جاءتك عمارات حي المجاهدين؟ ومن أين أتتك أبراج الرياض؟ وكيف بلغت عمولة سمسارٍ واحد لديك مئتي ألف دولار في صفقة واحدة؟ لو جمع “المواطن العادي” راتبه عمرًا كاملاً، هل كان يشيّد برجًا في أرقى أحياء الخرطوم؟ هنا تسقط الحكاية، ويبدأ الحساب.

ليس أعجب من وصفك إياي بالبليد. *كيف يكون بليدًا من حفظ القرآن في مئة يوم، كاسرًا رقمًا قياسيًا عالميًا*، ولا في من تخصّص في ثلاث مجالات علمية، ولا في من نال منحة Fulbright في منافسةٍ على مستوى الجامعات الأمريكية كافة. البِلادة أن تظن أن التملق ذكاء، وأن الانحناء فطنة، وأن الألقاب تغني عن الأمانة.

مقالك “إلى المستكبر البليد مادبو: الهارب من عدالة القضاء القطري” كان محاولة لتبديل السرد: أن تجعل من نفسك بطل الريف، ومن خصمك “هاربًا”. لكن الحقيقة أبسط: *الهروب الحقيقي هو الهروب من المحاسبة، من كشف الذمة، من تفسير الثروة*، من الاعتراف بدور تنظيمك في إشعال الحرب ثم مغادرة الميدان وترك الأبرياء يدفعون الثمن. الهروب أن تفرّ من مواجهة السؤال إلى سرد طفولي بائس.

بالله عليك، من الذي ارتبط اسمه بهروبٍ جماعي من السجون؟ ومن الذي خرج مزاحمًا أصحاب السوابق، في ليلةٍ اختلط فيها السياسي بالجنائي، ثم تفرّقوا في المنافي؟

الهروب ليس جغرافيا، بل موقف. قد يغادر المرء بلداً ويبقى في قلب المعركة، وقد يبقى في العاصمة ويكون أول الفارّين من المسؤولية. *قيادات تنظيمك خرجت من السجن لا بقرار محكمة، بل بفوضى اقتحام، ثم توزعت على العواصم*. وأنت — الذي نصّبت نفسك واعظًا للثبات — ما لبثت أن حطّت بك الطائرة في القاهرة. فكيف صار المنفى شجاعةً عندك، وجريمةً عند غيرك؟

بين من يرى الدولة أمانة، ومن رآها غنيمة، فرقٌ لا تمحوه البلاغة. كتبتَ لتدين غيرك بالفرار، فذكّرت الناس بليلتكم الكبرى، ليلة الهروب من السجن، ثم بهدوئكم في المنافي. أكرر، الفلنقاي يرتقي بقدر ما ينحني، لكنه ينسى أن *كثرة الانحناء تُقوّس الظهر… وحين تحين ساعة المواجهة، لا يقوى على الوقوف*.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com