الحزب الشيوعي السوداني.. اغتيال نظري أم انتحار طوعي

الحزب الشيوعي السوداني.. اغتيال نظري أم انتحار طوعي

أكرم البكري

لم تعد مواقف الحزب الشيوعي السوداني إزاء الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 قابلة للفهم ضمن إطار المعارضة الجذرية أو الخطاب الأخلاقي الذي يقف على مسافة واحدة من أطراف الصراع. يكشف لنا تحليل بيانات الحزب وتصريحات قادته خلال العامين الأخيرين عن تحوّل كبير في خطابه السياسي، تراجع عن الخط الثوري وتنامي التناقض في الخطاب، والانزلاق من موقع النقد الثوري لمؤسسات العنف إلى موقع اصطفاف رمادي معها

الامر الذي أفضي في محصلته النهائية إلى خدمة خط الحرب الذي يقوده الجيش السوداني المتحالف مع تيارات الإسلام السياسي.

فمنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، أصدر الحزب الشيوعي عدداً من البيانات، أبرزها بيان اللجنة المركزية بتاريخ 20 أبريل 2023، ثم بيانات لاحقة في يونيو وأغسطس من العام نفسه، اتسمت جميعها بإدانة عامة للحرب دون تقديم تصور سياسي عملي لكيفية إيقافها. والى الان نحن في انتظار تفسيرها

الملاحظة في هذه الوثائق غياب أي وثيقة استراتيجية أو خارطة طريق مرحلية قابلة للنقاش العام، او الحديث حولها وفى مقابل ذلك الإصرار على مفاهيم عامة مثل (النضال الجماهيري) و( العمل التحتي) . غير أن هذه المفاهيم لم تُترجم إلى آليات سياسية أو تنظيمية ملموسة تتناسب مع طبيعة حرب شاملة تُدار عبر الطيران الحربي والمدفعية الثقيلة، وتؤدي إلى تفكك المجتمع على أسس عرقية وجهوية واصطفاف قبلي مبالغ .

يمكننا القول إن العمل التحتي في خطاب الحزب الشيوعي تحوّل من أداة تنظيمية ذات معنى تاريخي إلى غطاء لغوي يعيد إنتاج العجز السياسي

في نفس الوقت تزامن هذا الفراغ البرنامجي مع تصاعد خطاب التخوين تجاه قوى مدنية أخرى، لا سيما تلك المنخرطة في مبادرات سياسية تهدف إلى وقف الحرب أو تخفيف آثارها. اتفقنا او اختلفنا معاه في الخط السياسي .

ولقد رصد تقرير نشره موقع مداميك في 3 أكتوبر 2023 هذا الميل بوضوح، مشيراً إلى أن الحزب الشيوعي بات يوجّه نقده الأساسي إلى فاعلين مدنيين بدلاً من تركيزه على البنية العسكرية التي تقود الحرب.

هذا التحول يعكس انتقال الحزب والذي كنا نعول عليه كثيرا في تكوين رؤية واضحة بحيث يكون هو الفاعل السياسي لها الى موقع سياسي يسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تفتيت المجال المدني وإضعاف قدرته على فرض أجندة سلام.

الا ان الامر الأكثر غرابه هو التقاطع العملي والفعلي بين خطاب الحزب ومواقف معسكر الحرب. فعندما يتبنى الحزب سردية تساوي بين جميع القوى المدنية، ويُفرغ مسألة وقف الحرب من أولويتها الأخلاقية والسياسية، ويصعّد هجومه على المبادرات السياسية أكثر مما يصعّد نقده لمؤسسة الجيش أو شبكات الإسلام السياسي الداعمة للحرب، فإنه يمنح غطاءً موضوعيا لاستمرار الصراع. وقد انعكس هذا التقاطع في إشادات علنية صدرت من رموز في المؤتمر الوطني المحلول، من بينها تصريح القيادي كمال عمر لمنصة الراكوبة بتاريخ 7 ديسمبر 2023، اعتبر فيه أن مواقف الحزب الشيوعي أكثر واقعية من مواقف قوى مدنية أخرى. كما أوردت صحيفة (التيار) في عددها الصادر بتاريخ 22 يناير 2024 معلومات حول تفاهمات حدثت في مدينة عطبرة بين الحزب الشيوعي وحكومة ولاية نهر النيل، وهي حكومة تُعد امتدادا إداري مباشر لبقايا النظام البائد هذه الوقائع لا يمكن قراءتها بوصفها تكتيكات محلية معزولة، بل كمؤشرات على اختلال أعمق في البوصلة السياسية للحزب الشيوعي .

وعلى المستوى الاجتماعي والثقافي، تكشف الحرب عن مأزق أخلاقي أكثر حدة داخل الحزب الشيوعي، تمثل في بوست ذو حمولة عنصرية من داخل صفوفه. فقد أثار البوست ، على حساب القيادية بالحزب هنادي فضل، جدل واسع بعد تصريحها بأن قوات الدعم السريع فامت بنفس افاعيل التعايشي الذين قتلوا أهلها فى المتمة ولم تنسي ان تنسب تصولها للشمال النيلي ، مستندة إلى رواية شفوية عائلية. وقد تناولت هذه الواقعة منصات إخبارية مثل دارفور24 وسودان بكرة بتاريخ 28 ديسمبر 2023، دون أن يصدر عن قيادة الحزب موقف تنظيمي حاسم يرقى إلى مستوى المساءلة الأخلاقية والسياسية. ويشير هذا الصمت إلى خلل بنيوي واضح في التعامل مع خطاب الكراهية داخل حزب يفترض فيه تفكيك البنى القبلية والطائفية لا إعادة إنتاجها

ولم تكن هذه الواقعة معزولة عن سياق أوسع، إذ سبقتها تصريحات ومواقف من كادر محسوبين على الحزب، من بينهم إحسان فقيري، في تعليق لها حمل نبرة استعلاء ثقافي وإقصاء رمزي، على صورة شاب افريقي مع انثي اوربية،

إن تكرار هذه الأنماط الخطابية في زمن الحرب يؤكد أن الأزمة ليست فردية أو ظرفية، بل بنيوية، وتتصل بتآكل الخطاب الأممي والطبقي للحزب، واستبداله بسرديات تاريخية انتقائية تُستدعى لتبرير اصطفاف معاصر، ما يسهم في تعميق الانقسام العرقي والقبلي في السودان .

يمكننا القول إن الحزب الشيوعي السوداني يقف اليوم في موقع يتناقض مع ادعاءاته التاريخية ودوره المفترض. فهو حزب بلا برنامج واضح لوقف الحرب، وبلا مبادرة جامعة، وبلا نقد جذري لمؤسسة الجيش بوصفها بنية تاريخية لإعادة إنتاج العنف، وبلا قطيعة صريحة مع الإسلام السياسي حين تفرضها اللحظة السياسية. والنتيجة هي خطاب راديكالي في لغته، محافظ في مالاته، ينتج فراغ سياسي يُملأ تلقائياً بالسلاح والخطاب الديني والعنصري.

وعليه، فإن نقد الحزب الشيوعي السوداني في هذه المرحلة لا يندرج ضمن الخصومات الأيديولوجية التقليدية، بل يندرج في صميم الضرورة الأخلاقية والسياسية. فالحزب الذي يعجز عن تسمية العدو الحقيقي، ويستسهل تخوين الفاعلين المدنيين، ويتسامح مع خطاب عنصري في صفوفه، لا يمكن أن يكون أداة لإنهاء الحرب، بل يصبح بقصد أو بدون قصد جزءاً من بنيتها الرمزية والسياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى