معركة الوعي بلا سجال: رشا عوض وسقوط أدوات التفاهة

معركة الوعي بلا سجال: رشا عوض وسقوط أدوات التفاهة
حسن عبد الرضي
في معركة الوعي لا تُكسب كل الجولات بالرد، ولا تُهزم كل السفاهات بالمجابهة المباشرة.
أحيانًا يكون الامتناع عن الرد هو الضربة القاضية، وأحيانًا يكون التجاهل فنًّا أعلى من السجال.
وهذا بالضبط ما فعلته الصحفية النابهة رشا عوض في مقالها البليغ عن الصحفي “المكري” حسن إسماعيل الملقب بـ“حسن طرحة”.
لقد كتبت رشا عوض مقالًا يُدرَّس لا لأنه هاجم، بل لأنه أعاد كل شيء إلى حجمه الحقيقي.
لم تجرّ الرجل من ياقته، ولم تمنحه شرف الندية، ولم ترفعه قيد شبر فوق قامته المتقزمة أصلًا.
تركته، كما قال مجاهد نايل ببلاغة لاذعة، “جنازة بحر”؛ لا الكيزان يعترفون بها، ولا العسكر يتبنونها، ولا الإعلام المأجور يجرؤ على حملها، وربما تنكّر لها حتى أصحاب الرحم.
وهذا أقسى مصير يمكن أن يواجهه كائن يعيش على الضجيج: أن يُترك وحيدًا مع خوائه.
تعليق مجاهد نايل لم يكن مجاملة عابرة، بل تشخيصًا دقيقًا لما جرى.
قال إن رشا صنعت “معجزة حقيقية” لأنها كتبت مقالًا يمتنع عن الرد، وهذه ليست مفارقة لغوية بل موقف أخلاقي ومعرفي.
فماذا عساه الرد أن يفعل مع من جعل من البذاءة مهنة، ومن الكذب بطاقة اعتماد، ومن الانحطاط وسيلة ترقٍّ؟
لو رديتي كنتي دايره تعملي شنو؟
السؤال هنا ليس استنكاريًا فحسب، بل كاشفًا لعبث المطالبة أصلًا بالرد.
رشا عوض وضعت يدها على جوهر المسألة: هذا ليس خصمًا فكريًا ولا صحفيًا مختلفًا، بل أداة رخيصة في يد منظومة تعرف جيدًا كيف تستهلك أمثال “حسن طرحة” ثم تلقي بهم في أول منعطف.
هو ليس من “أهل الجلد والرأس”، لذلك يعيش في امتحان دائم: امتحان الصفاقة، امتحان الاستعداد للسقوط بلا قاع، امتحان القدرة على تلويث أي شيء يُطلب منه تلويثه.
مرة واحدة لا تكفي؛ عليه أن يكرر عرضه كل يوم، كل ساعة، لعلّ الأسياد يطمئنون أنه ما زال صالحًا للاستعمال.
وحين استعادت رشا واقعة سبتمبر ٢٠١٣، لم تفعل ذلك من باب النبش في الماضي، بل لتؤكد أن الانحطاط عند هذا النموذج ليس طارئًا بل بنيوي.
قال يومها ما قال، ولم يُعاقَب، لأن النظام كان يعرف أن هذا “الكائن” لا يلبس الطرحة ليدخل بيته، بل ليدخل بيت الطاعة.
وهكذا كان: كوفئ بالوزارة، وزارة التضليل، حيث يصبح الكذب سياسة، والإفك خطابًا رسميًا.
ثم جاءت المفارقة الأخلاقية الأجمل في مقال رشا: الاعتذار للطرحة.
نعم، الاعتذار لرمزٍ أساء إليه هذا الرجل حين قرنه بالجبن والخنوع.
فالطرحة في تاريخنا القريب ليست رمز ضعف، بل راية شجاعة؛ من التاية إلى ست النفور، نساء قدّمن الأرواح ووقفن في الصفوف الأولى.
أما “طرحة” حسن إسماعيل فليست إلا استعارة لرجل مطروح أرضًا، يلعق أحذية العسكر ويبيع لسانه في سوق النخاسة السياسية.
رشا لم تكتب ردًا، بل كتبت إدانة للمنهج، وتشريحًا لحالة مرضية عامة أصابت البلاد واستفحلت مع الحرب: حالة كائنات لا ترى في الصفاقة عيبًا، ولا في التفاهة نقصًا، بل تعتبرهما وسام تفوق.
لذلك كان قولها حاسمًا: لا جدوى من السجال، حتى في أوحال الشتائم، لأنهم يتغذّون على ذلك.
وهنا تتكامل الكتابة مع الموقف.
رشا عوض لم تبرئ “حسن طرحة”، لكنها نزعت عنه آخر ما يريده: الاهتمام.
وفي المقابل، فتحت باب الأمل على مصراعيه: الأمل في الشفاء، في القانون، في أن للرعي الجائر في سيرة الناس روادع مهما طال الزمن.
هذا المقال لا يعزز فقط ما كتبته رشا عوض، بل يؤكد أن المعركة الحقيقية ليست مع الأدوات، بل مع المنظومة.
وأن الصحافة حين تكون وعيًا لا تحتاج أن تصرخ، يكفي أن تشير، فيسقط القناع، ويبقى صاحبه عاريًا أمام الناس، أقصر مما كان، وأفقر مما ظن.




