دبلوماسية التسامح في مواجهة أجندات الدم:
قراءة سودانية في دفتر تعيين مبعوث إماراتي لمكافحة الإرهاب

دبلوماسية التسامح في مواجهة أجندات الدم: قراءة سودانية في دفتر تعيين مبعوث إماراتي لمكافحة الإرهاب
محمد المختار محمد
يمثل تعيين السيد مقصود كروز مبعوثاً لوزير الخارجية الإماراتي لمكافحة الإرهاب نقلة نوعية وخطوة استراتجية تضعها دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن التزامها الصارم في مواجهة التطرف والإرهاب، ويضع هذا الالتزام والاتساق الإمارات في صدارة الدول التي تجابه هذا الخطر العابر للحدود. فهي لا تتسامح مع الأفكار المتطرفة والبغيضة داخل الإمارات، ولا توظف الإيديلوجيات الإرهابية خارجياً، لا مرحلياً ولا استراتيجاً كما تفعل بعض الدول التي تحتفي بتصنيف الولايات المتحدة الأمريكية إلإخوان كياناً إرهابياً لديها في الداخل، بينما توظفهم في الخارج، هذا الأمر الذي منح الإمارات مصداقية سياسية في مكافحة الإرهاب والتطرف من ناحية، وجعلها قبلة للتعايش السلمي والديني والثقافي من ناحية أخرى.
بالنسبة لنا في المنطقة العربية والسودان خصوصاً، تتجاوز هذه الخطوة النطاق المحلي لتشكل رسالة أمل ودعم للمجتمعات والشعوب التي تعاني من ويلات الفكر المتطرف والأيديلوجيات البغيضة، وعلى رأسها السودان الذي تمكن الإخوان من اختطاف الدولة ومؤسساتها العسكرية، والأمنية، والمدنية، كما يكشف الحال عن نفسه حالياً، وكما أقر بذلك الجنرال المعزول عمر البشير قائلاً: “هي الدولة دي حقت منو يا شيخ حسن؟ الإخوان يملكون مفاصل الدولة السودانية”، وهنا تكمن الخطورة من دون بقية فروع التنظيم العالمي للإخوان.
ودون الخوض في المفاهيم الجيوسياسية الوعرة، لم تعد الحدود الجغرافية للدول حصنا منيعاً يحميها في عالم اليوم، وفي ظل تمدد الإمبراطورية الرقمية لم تعد التهديدات والمخاطر تلتزم بالخارطة، بل قد تصل إلى أي دولة في عقر دارها عابرة للقارات، وهو ما فطنت إليه الإمارات باكراً، بإعادة قراءة الصراعات والتهديدات بشكل مستمر خارج الأطر الجغرافية، وهي تأخذ في الإعتبار قوة الاقتصاد، وتأثير الثقافة، والافكار “الأيديولوجيا”، والمصالح الاستراتجية التي تحرك الاحداث والتاريخ.
أذكر جيداً حديث سابق لوزير خارجية الإمارات الشيخ عبد بن زايد قبل سنوات، يتحدث فيه عن الحراك الإنساني الذي أصبح فيه الإسلام ديناً من الديانات الأوربية، وهو يحذر بعض الدول الأوربية التي لا تريد أن تدرك أن هناك أكثر من 50 مليون مسلم في أوربا، حيث تحاول الجماعات المتطرفة إستغلال ذلك وتمرير أفكارها وتصدير الأذى من هناك، وأتهم دول أوربية بأنها حاضنة للإرهابيين والتطرف وعليها أن تكشف من هذا الزيف واللبس، أو أن تتحمل مسؤوليتها، وها قد مرت الأيام والسنوات وفرنسا ترفع السرية عن تقارير صادمة حول الإخوان المسلمين، وسعي الجماعة إلى فرض أفكارها هناك، وفقاً لصحيفة “لوفيغارو”، بل وصف التقرير الفرنسي أن منظمات على صلة بجماعة الإخوان تحاول التأثير على مؤسسات الاتحاد الأوربي.
بالنسبة لنا في السودان، حيث يحاول الإخوان المسلمون جر عقارب الساعة إلى الوراء من خلال العنف والحرب، يمثل أي جهد دولي في مواجهة الإرهاب بارقة أمل، ليس في وقف الحرب فحسب بل في إعادة الدولة المختطفة، فقد عانى السودانيون من التطرف والإرهاب المؤسسي الذي زرعه الإخوان، وتحولت بموجبه البلاد إلى حاضنة وبؤرة لتصدير التطرف والإرهاب، وما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد صراع عسكري، بل محاولة من تنظيم إخواني لإعادة إحياء مشروع إرهابي أسقطه السودانيون أنسفهم بثورة شعبية سلمية، استطاعت بعدها الحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء المُنقلب عليه الدكتور عبد الله حمدوك، من رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. لذلك إن تعيين الإمارات مقصود كروز مبعوثاً لوزير الخارجية الإماراتية لمكافحة الإرهاب والتطرف ليس مجرد إجراء دبلوماسي يخص الإمارات فقط، بل هو بمثابة حجر زاوية في استراتيجية إقليمة لمواجهة فيروس الإرهاب الذي نهش جسد المنطقة العربية، ونال السودان الحظ الأكبر منه.
كصحفي ومدقق معلومات، ومُدرب متخصص في مكافحة خطاب الكراهية والتطرف العنيف، والتضليل الإعلامي، وبخلفية تعاوني مع اليونسكو وعدد من المنظمات الدولية في مشاريع عديدة، أستطيع القول تبرز أهمية تعيين مقصود كروز في امتلاك الرجل خبرة أكاديمية وعملية في تفكيك الدعاية والأيديلوجيا، هذا التعيين سيعزز من قدرة الدبلوماسية الإماراتية بل العربية على كشف التضليل والزيف الذي تمارسه الجماعات الإخوانية وشبكاتهم ومنصاتهم الإعلامية والتضلليلة، وكشف الغطاء عن المشاريع السياسية الإخوانية، كما يحاول إخوان السودان حالياً في تسويق الحرب التي هددوا بها علنا عبر قياداتهم، ونفذوا تهديدهم ولا يزالون يجهضون كل الجهود المحلية والإقليمية والدولية لوقف الحرب وإقرار هدنة إنسانية، كعدوان خارجي، كما درجو في حروبهم السابقة، بينما هي في الحقيقة معركة بقاء لمشروع متطرف.
أما بالنسبة للسودانيين الذين عانوا من عودة النظام الإخواني، الذي أدخل بلادهم في قائمة الدولة الراعية للإرهاب من قبل، تمثل جهود الرباعية مخرجاً يحفظ وحدة السودان، وتؤكد على أن مستقبل الحكم يقرره الشعب السوداني عبر خارطة طريقة واضحة، تبدأ بهدنة إنسانية وتنتهي بدولة مدنية، ولا ترهن مستقبل السودان للإخوان المسلمين، الذين يؤججون العنف وعدم الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة. لذلك يمثل هذا التحرك الإماراتي ضغطاً دولياً مضافاً بجانب جهودها ضمن الرباعية، ومن المؤكد أن المبعوث الجديد سيعمل على تعزيز التعاون الدولي لتجفيف منابع التمويل والتحريض، مما يضيق الخناق على التحركات التي تهدف لتحويل السودان إلى قاعدة خلفية للجماعات الإرهابية العابرة للحدود.
عانى السودان لأكثر من ثلاثة عقود من توظيف الدين للسيطرة والبطش، أوصلته لهذا الوضع المؤلم من الوحشية بسبب مشروع إسلاموي لم يتبق منه غير العنف والبندقية، ويضمحل بشكل متسارع إلى نهايته الحتمية، ويملك مقصود كروز خلفية عميقة في فهم سيكلوجية التطرف، من خلال عمله السابق في مركز “هداية”، وقراءة هذا التعيين من منظور سوداني، فهو يعزز الضغط الدبلوماسي وتقوية البجبهة الرافضة لعودة النظام الإخواني بالسيطرة على مفاصل الدولة السودانية تحت غطاء الحرب، بجانب كشف الواجهات والقدرة على تعرية المجموعات التي تتخفى خلف شعارات دينية لتنفيذ أجندات سياسية وسلطوية.
ما اريد التاكيد عليه هو أن الإرهاب لم يكن يوماً ظاهرة محلية معزولة، بل ارتبط بشبكات دولية وجماعات عابرة للحدود، وقابلة للتوظيف في التقاطعات الإقليمية والدولية كما يحدث حالياً في السودان. لذلك إن تعيين مبعوث خاص بمرتبة رفيعة يعني أن الإمارات تنتقل من مرحلة المواقف السياسية إلى مرحلة الدبلوماسية المتخصصة، هذا التخصيص يمنح السودانيين حليفاً دولياً يمتلك الأدوات، والخبرة، والإرادة، لتفكيك الخطاب المتطرف، وتجفيف منابع الدعم الذي يستفيد منه الإخوان.
وكمراقب في أدق تفاصيل خطاب ودعاية الحركة الإسلامية بحكم المهنة، تعتمد الحرب الدائرة في السودان حالياً بشكل كبيرعلى خطاب الكراهية، والتحريض، والتضليل، الذي تبثه منصات مرتبطة بالنظام الإخواني، إن وجود مبعوث إمارتي متخصص يهدف إلى تعزيز قيم التسامح عالمياً، يساهم في عزل الاصوات التي تدعو لاستمرار الحرب وتخوين المدنيين، وخلع قميص الأزمة التي صنعوها على غيرهم، ودعم المبادارات التي تسعى لإعادة الدولة المختطفة من قبل المشروع الإخواني الذي تمكن منها ومن مؤسساتها. إن السودان تحت سيطرة الإخوان لم يكن خطراً على نفسه فحسب، بل كان مأوى لقادة الإرهاب العالمي، وتعيين مبعوث خاص يمنع تكرار هذا السيناريو، ويوفر “عدسة إحترافية”، للمجتمع الدولي يرى من خلالها حقيقة القوى المحركة للصراع في السودان، ومن يدعمونهم، أو يوظفونهم تكتيكياً أو استراتيجياً، ويقطع الطريق أمام أي تسوية سياسية تحول دون إشراك العناصر المتطرفة أو شرعنة وجودها من جديد.
بتصدرها للمشهد العالمي في قيم التعايش، تعي الإمارات جيداً أنه لا تنمية ولا استقرار في المنطقة دون اجتثاث الفكر المتطرف ومكافحة الإرهاب، وتعيين مقصود هو بمثابة إعلان بأن الحرب على الإرهاب في المنطقة العربية تحديداً هي معركة لا تقبل القسمة على إثنين، وهذا الأمر بالنسبة للسودان والسودانيين بارقة أمل بأن الاشقاء والعالم يراقب، وأن محاولات الأخونة ونفخ الروح في المشاريع الإسلاموية الميتة، لن تمر في ظل وجود دبلوماسية يقظة تدرك أن استقرار السودان هو مفتاح أمن المنطقة برمتها.
محمد المختار محمد
كاتب صحفي ومحلل سياسي
مدرب معتمد من اليونسكو متخصص في:
مكافحة خطاب الكراهية والتطرف العنيف، والتضليل المعلوماتي
ومتخصص في التربية الإعلامية والمعلوماتية




