وحدة الشاوي والمشوي

وحدة الشاوي والمشوي

خالد فضل

أملًّ من  هذه العبارات اللزجة، التأكيد على وحدة الدولة وسلامة أراضيها ومؤسساتها وعلى رأسها القوات المسلحة.. إلخ. ذلك أنّها عبارات مخاتلة فارغة المضمون، تعبّر في الحقيقة عن مصالح آخرين غير أولي الشأن من الناس الذين أختاروا خيارهم. أو في حالة كيانات وهمية مثل جامعة الدول العربية؛ تتحدث بلسان بروتوكولي رتيب، فتلك فقرة يتم اجترارها بفتور  من ميثاق هلامي لا يعبر عن واقع، مثل فقرات في مواثيق الاتحاد الأفريقي وحتى الأمم المتحدة.

الحقائق لا تطمسها عبارات خاوية، ومن أبرز الحقائق أنّ الدولة الوطنية الموسومة بالسيادة على أراضيها، المؤتمنة على سلامة شعبها، الحريصة على وحدة مصيره لم تولد بعد، صريح العبارة يقول إنّ عمليات وأد مستمرة تحدث لأي محاولات لبناء تلك الدولة المنصوص عليها في المواثيق. وحالة السودان تبرز كأسطع دليل على خطل النصوص وفداحة الواقع.

حدود الدولة وترابها الذي يجب المحافظة عليه تم رسمها بوساطة دول استعمارية، لم يختر السكان في هذه الأرض أو يستشاروا في وجودهم ضمن حدود السيادة لهذه الدولة من عدمها، كل الحدود التي أعلن الاستقلال عليها يوم الأول من يناير 1956م تم تحديدها وترسيمها بوساطة سلطات الحكم الاستعماري الثنائي الإنجليزي/ المصري، ووفقا لرغبتهما ومصالحهما، فهل ثبت بعد مرور 70 عاما على الاستقلال وأكثر من 100 عام على تحديد الحدود أنّ المواطنين في هذا الحيز الجغرافي قد كانوا سعداء بذلك الإجراء؟ هل نما وسطهم ذلك الإحساس النبيل بالانتماء لوطن موفور السيادة كامل التراب موحد المؤسسات كما تقول الأدبيات الجوفاء.

الواقع أنّ نفر من الشعب السوداني الملموم دون مشاورته في حدود الدولة الاستعمارية قد أبدى تذمره مبكرا، رأى في عملية السودنة تبديل مستعمر بآخر، فانفلت الغضب عنفا داميا استهدف بعض المواطنين بالسحنة والجغرافيا فيما عرف بأحداث توريت أغسطس 1955م، كانت السردية الرائجة والسهلة أنّ تحريضا قد حدث للجنوبيين الساذجين بوساطة المبشرين المسيحيين والكنائس الأوروبية، لذلك كان واجب مؤسسة الدولة الموحدة أن تواجه ذلك التمرد بالحسم الأمني والعلاج العسكري (والرهيفة التنقد) بل تسرّب قول غليظ فظيع عن حرق الغابات وتسوية الأرض واستصلاحها مزارع تسر المالكين وتجلب لهم الريع الوفير فالماء مبذول. مع ذلك يطلب إلى هولاء أن يرددوا كل صباح في طابور المدرسة نحن جند الله جند الوطن كدليل على صدق الانتماء. ثم بعد 31 سنة فقط على نيل الاستقلال ظهر من المواطنين السودانيين من يصدع بالحقيقة، السودان بتلك الحدود وبالفهم العتيد الموروث من المستعمر لم يستقم ولن يستقم له مسار يا هؤلاء، لابد من التفكير سويا في سودان جديد، قيل كفر ابن قرنق، وبغى، وظلم، فماله ومال القهوة في المتمة، ياله من عبد آبق ذي أنياب، أيتطاول على النبلاء؟ فيا خيل الله أركبي، وهبي هبي رياح الجنة، وحتى الغزالة تحني رقبتها وهي تقول للمجاهدين أذبحوني غذاء فكلنا للدين فداء، وحدث ما حدث، لم تصمد الحدود السيادية المرسومة، ولم تعش المؤسسة الموحدة في هناء وسبات ونبات عش الوحدة المزعومة، فأين هي النصوص الباردة في كل المواثيق؟ واين هي الخطوط الحمراء؟.

إنّ نظرة كثير من لناس للوقائع تبدو في معظم الأوقات مغشوشة بالرغبات السطحية، أو بالمسايرة لتيار دعائي يعلو صوته بدون ممسكات على أرض الواقع، ومن أكبر الدعايات المحافظة على الوحدة للأرض والشعب، وفي كليهما يقع التفريط، إنهم عراة أخلاقيا وفكريا وسياسيا، ويوبخون الفنان تروس على خلعه البنطال والقميص ليقف على المسرح بالبرمودة والفانلة فهو عندهم عار وهم محتشمون، يخشون الرمزية العميقة لفعل الفنان، وبعض الإخوة الأحباب يحرصون على وحدة التراب السوداني، يصفون وجود بعض السودانيين على أجزاء من بلدهم بأنه احتلال يستوجب التحرير فيما آلاف الكيلومترات المربعة من الأرض السودانية حلال بلال على الحريصين على تحريرنا من بعضنا بعضا، ويحدثونك عن توحيد المؤسسة العسكرية وهي ذاتها من تنجب على مرّ الحقب  مئات (السواسيو) على شكل مليشيات، ثم يعاد المونولوج السقيم، وتفرز الوقائع البديل فنجري خلف سراب التبرير، ثم نعود إلى اللف والدوران.

الآن على الأرض وقائع شاخصة لا يمكن غض الطرف عنها وكأنها ليست موجودة، اليوم على أراض داخل حدود دولة السودان، ويعمر تلك الأراضي شعب من شعب السودان يوجد هيكل رئاسي ورئيس للوزراء ومجلس وزراء بما في ذلك وزير الدفاع ووزير الداخلية ومفوض الوصول الإنساني، وجيوش، هل كل هذه أحلام أم وقائع؟ هل يوجد شخص سوداني اسمه محمد حمدان دقلو يرأس مجلسا رئاسيا من 15 عضوا وينوب عنه شخص اسمه عبد العزيز آدم الحلو أم تلك أضغاث أحلام؟ ووزير شؤون مجلس الوزراء إبراهيم الميرغني والتعايشي رئيس الوزراء. هل ينفي وجود تلك الحقيقة وصفها بحكومة الدعم السريع أو أنّ كل هؤلاء الأفراد جنجويد؟ لماذا الاستقرار في الأوهام لهذه الدرجة السحيقة من الغباء.

لماذا لا يتقدم مالك عقار بصفته قائد تمرد سابق نحو حميدتي قائلا له هات ما عندك من أطروحات عساها توافق ما طرحته سابقا وناضلت من أجله لعقود. وكذا مناوي، فقد عرفا الرجل واجتمعا به كثيرا وطويلا وتوصلا معه لاتفاق مشهود بعنوان سلام جوبا، هو ذاته الذي بموجبه يتسيدان الآن ويحاربان في صفوف الكيزان فهل لمسا في الرجل صدقا ووفاء أم تنكرا وجحودا، دع عنك الحديث الكثير عن الانتهاكات أثناء الحرب، فتلك الانتهاكات قد وقعت بالفعل لا أحد في السودان اليوم يغالط في ذلك، أفراد الدعم السريع ارتكبوا الإنتهاكات أثناء الحرب ضد المدنيين، ثم هل انتهت القصة هنا أم أنّ الجملة تكتمل بالقول الحقيقي، القوات المسلحة والمليشيات  بقيادة البرهان ارتكبت الانتهاكات أثناء هذه الحرب، بل ما قبل هذه الحرب مما يعرفه عقار ومناوي على وجه التحديد. بنفس المنطق الذي جعل طرفا يرتكب وارتكب الانتهاكات ولي حميم بدون الشعور بالمفارقة والحرج لماذا لا يتقدمان للمرتكب الآخر لتلك الانتهاكات عسى تتوقف الانتهاكات عندما يسود واقع السودان الجديد. تلك هي الجرأة في المبادرة وليس ترديد بنود البرهان عبر كامل ادريس باللغة الإنجليزية في منصة مجلس الأمن الدولي، دون أن تتجاوز أصداء كلماتها مقاعد القاعة الخاوية، فليس فيها جديد. وهي أوهام لا تستند على واقع على الأرض على كل حال. ومالك عقار حين نسأله عن الحكم الذاتي الذي كان مطلبه في اتفاقية نيفاشا والمشورة الشعبية هل ما يزال على ذلك الوعد أم طرأ تغيير جعله الآن يستميت من أجل وحدة المؤسسة العسكرية؟ والخطوط الحمراء لدى بعض الجيران والهيئات خشية التغيير الديمغرافي كما في سرديته الجديدة بعد بوار رهانه بالقضاء على المليشيا في نهاية العام 2024م.

إنّ انفصال/ استقلال الجنوب لم يكن فيه مساس بوحدة الحدود أو تقسيم للشعب الموحد على وقع براميل الأنتينوف، ودعوة عبد الرحيم حمدي الرائجة عن المثلث الذهبي لم تقابل بالاستنكار والاستهجان فقد دعا الرجل لما يستبطن المهيمنون، وسمى السبب بالتجانس الثقافي والعرقي والديني بين السكان في ذلك المثلث الرهيب، في مقابل الدغمسة الناجمة عن التعددية كما أسماها البشير قبل أن يرقص على وقع دخلوها وصقيرا حام في حشد القضارف المشهور. ثم كانت دعوة منبر السلام العادل وصحيفة الانتباهة دعوات خير وسلام وبركة، وليس فيها رائحة انقسام وتقسيم، فقط تبدا الخطوط حمراء ما صدفة، كما في تعبير الراحل المقيم محجوب شريف، عندما يصير النداء لتأسيس سودان جديد قائم على حقائق الوجود وليس تخيلات، سودان تؤسس مؤسساته كلها العسكرية والأمنية والمدنية من أول جديد على صراط مستقيم اسمه التعددية الشاملة والمساواة الكاملة والعدالة لا تنقص وظيفة واحدة، تلك الدولة ذات الحدود الدولية المرعية، والسيادة الحقيقية والكرامة الواقعية، وليس دولة البحر والنهر كما ينادي مناد الآن، وليست خيارات الولايتين تتبعان لتلك الدولة وتطردان الوجوه السودانية الغريبة.

أرجو أن يقدم السادة حميدتي والحلو والتعايشي الدعوة لتفاوض جاد مع عقار ومناوي تحديدا وعبد الواحد محمد أحمد النور، وتحالف صمود، والحزب الشيوعي لمناقشتهم حول مشروع التأسيس، إن كان لديهم عليه مزيد، أما موضوع حكومة الدعم السريع فهذه أمرها سهل يمكن حلها مباشرة لحظة الاتفاق على التأسيس الجديد، لنر إن كانت الخطوط الحمراء حول وحدة السودان وسلامة شعبه ومؤسساته مضمضمة شفاه أم عمل ملموس. أ هي وحدة الحقائق  أم وحدة الحقائب والامتيازات. أم هي وحدة الشاوي والمشوي وصنع الكباب من لحوم البشر. وعام جديد عساه يحمل الجديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com