حين يُستدعى الحليف: روزفلت، تشاد، ومصر… كيف يُصاغ الخوف بوصفه سياسة «3»

حين يُستدعى الحليف: روزفلت، تشاد، ومصر… كيف يُصاغ الخوف بوصفه سياسة «3»
د. ناهد محمد الحسن
في الحروب، لا يتقدّم السلاح وحده إلى الواجهة، بل تتقدّم معه اللغة.
لغة تُعيد ترتيب العالم في جُمل قصيرة: خطر يقترب، زمن ينفد، لحظة لا تُفوّت.
وفي هذا المناخ، لا يُستدعى التاريخ بوصفه معرفة، بل بوصفه ذخيرة.
ولا يُستحضر الحلفاء لأنهم يفهمون تعقيد الواقع، بل لأن أسماءهم تمنح الخطاب قوة رمزية تختصر الأسئلة وتُسرّع القبول.
ما نواجهه اليوم في السودان ليس فقط صراعًا عسكريًا، بل صراعٌ على كيفية تفسير الزمن:
هل نحن في مسار طويل يحتاج صبرًا وبناءً؟
أم في لحظة حاسمة لا تحتمل التردّد ولا تسمح بالأسئلة؟
هذه المقالات تحاول أن تفكك هذا الصراع بهدوء.
لا لتفكيك أشخاص، بل لتفكيك الخطاب:
كيف يُستدعى التاريخ؟
كيف يُستدعى الحلفاء؟
كيف يُدار الخوف؟
وكيف تتحوّل “اللحظة الحاسمة” من توصيف إلى أداة سياسية لإعادة إنتاج السلطة نفسها بأسماء جديدة؟
حين استُدعي د. التجاني عبد القادر روزفلت في الخطاب التحذيري الأخير، لم يكن المقصود هو روزفلت التاريخي، ولا سياق الحرب العالمية الثانية، بل الأسطورة السياسية: الرئيس الذي ربط أمن بلاده بأمن حليفه، فأنقذه… وأنقذ العالم.
لكن هذه الأسطورة، حين تُنقل خارج سياقها، تفقد معناها الأصلي وتكتسب وظيفة جديدة:
تبرير التدخل لا بوصفه خيارًا سياسيًا قابلًا للنقاش، بل بوصفه واجبًا أخلاقيًا لا بديل له.
روزفلت لم يتحرّك لأن بريطانيا مهددة فقط، بل لأن الولايات المتحدة كانت تبني نظامًا عالميًا جديدًا، وكانت الحرب فرصة لتثبيت هذا الدور.
الدعم لم يكن مجانيًا، ولم يكن بريئًا، ولم يكن من أجل “إنقاذ الديمقراطية” وحدها، بل من أجل إعادة رسم ميزان القوة العالمي.
حين يُستدعى هذا النموذج في السودان اليوم، يُفصل عن هذه الحقيقة عمدًا.
يُقدَّم الحليف كمنقذ، لا كشريك مصالح.
ويُصوَّر التدخل كحبل نجاة، لا كترتيب طويل الأمد يعيد تشكيل الدولة والقرار والسيادة. وهنا يظهر الخطر.
في تشاد، لم يؤدِّ التدخل الخارجي إلى بناء دولة مستقرة، بل إلى تثبيت نظام هشّ يعتمد على الخارج أكثر مما يستند إلى عقد اجتماعي داخلي.
الاستقرار كان مؤقتًا، والعنف عاد كلما اهتزّ التوازن.
في مصر، صُنع خطاب “الدولة المهددة” ليبرّر عسكرة السياسة، وتحويل الأمن إلى هوية، والاستقرار إلى صمت.
لم تُحلّ الأزمات البنيوية، بل أُجلت، وجرى إسكاتها باسم النجاة.
حين يُستدعى الحليف بهذه الطريقة، لا يُستدعى لإنقاذ الشعوب، بل لإنقاذ أنظمة أو مشاريع تخشى السقوط.
ويصبح الخطر الخارجي أداة لإعادة ترتيب الداخل: من يعارض يُتهم بتعريض البلاد للخطر، ومن يسأل يُصنّف كغير وطني، ومن يطالب بالحل السياسي يُوضع خارج الزمن.
هكذا تتحوّل الجغرافيا السياسية من مجال مصالح معقّدة، إلى قصة أخلاقية مبسّطة:
نحن الخير، والآخرون تهديد.
والتاريخ، مرة أخرى، يُستدعى لا ليفهمنا، بل ليُسكتنا.



