العدالة الانتقالية: كيف نُداوي جرح الوطن دون أن نُخفيه؟

العدالة الانتقالية: كيف نُداوي جرح الوطن دون أن نُخفيه؟
د.ناهد محمد الحسن
في أزمنة الحرب، يتعب الناس من الكلام..من الأخبار المتشابهة، من الوجوه المرهقة، من المدن التي صارت أسماءً للفقد..وحين يبلغ التعب ذروته، يولد إغراءٌ خفي: أن نُغلق الجرح سريعًا… لا لأنّه شُفي، بل لأننا لم نعد نحتمل النظر إليه.
لكن الأوطان، مثل الأجساد، لا تُشفى بالإنكار..الجرح الذي لا يُنظَّف، لا يختفي، بل يعمل بصمت..يتحوّل إلى ألمٍ مزمن، ثم إلى غضبٍ مؤجل.
لهذا، حين نتحدث عن العدالة الانتقالية، فنحن لا نتحدث عن محاكم فقط، ولا عن مصطلحات ثقيلة جاءت من كتب القانون. نحن نتحدث عن طريقة للعبور: كيف نخرج من الحرب دون أن نحملها معنا إلى بيوتنا، وأطفالنا، وذاكرتنا الجماعية.
العدالة الانتقالية، في معناها الإنساني العميق، هي لحظة شجاعة يقول فيها المجتمع لنفسه..ما حدث لم يكن عاديًا..الألم لم يكن وهمًا. والدم الذي سُفك لا يمكن أن يُختصر في عبارة “تجاوزات”.
هي ليست انتقامًا، ولا تصفية حسابات، بل محاولة لإعادة المعنى إلى فكرة الدولة، ولإعادة الكرامة إلى فكرة العيش المشترك. كثيرون يخافون من العدالة بعد الحرب.
ليس لأنهم يكرهون العدل، بل لأن العدالة تفتح الذاكرة، والذاكرة مؤلمة. تفتح البيوت التي لم تعد قائمة، والأسماء التي غابت دون وداع، والأسئلة التي لم يُسمح لها أن تُسأل.في هذا التعب، يُقال لنا غالبًا:
“دعونا ننسى لنعيش.” لكن النسيان القسري ليس سلامًا. هو هدنة قصيرة بين جرحين. لهذا السبب، حين خرجت مجتمعات أخرى من حروبٍ وإبادات، لم تختَر الطريق السهل. في جنوب أفريقيا، مثلًا، أدرك الناس أن الفصل العنصري لا يمكن أن يُدفن بصمت. ففُتحت المساحة للاعتراف، وللشهادات، وللصوت الذي ظلّ مخنوقًا طويلًا. كانت الحقيقة هناك خطوة جبارة؛ كسرت جدار الصمت، ومنحت الضحايا اعترافًا علنيًا. لكن التجربة نفسها تعثّرت حين توقفت العدالة عند حدود الاعتراف، وتأخر الحساب، وبقي كثير من الجناة أحرارًا في حياةٍ لم يشعر فيها الضحايا أن الألم قد أُخذ على محمل الجد. الدرس كان قاسيًا: الحقيقة وحدها لا تكفي إن لم تساندها مساءلة مرئية. وفي أماكن أخرى، مثل سيراليون، حاول المجتمع أن يسير في مسارين معًا: أن يفتح باب الحقيقة، وفي الوقت نفسه يقول بوضوح إن الجرائم الكبرى ليست وجهات نظر. لم يكن الطريق مثاليًا، لكن الرسالة كانت واضحة: المجتمع يحتاج روايته، ويحتاج أيضًا إشارة أخلاقية تقول إن هناك خطوطًا لا يجوز تجاوزها بلا ثمن.
أما رواندا، فقد واجهت جرحًا يفوق قدرة أي جهاز قضائي تقليدي. ملايين القصص، وجيران قتلوا جيرانهم. هناك، لم تكن العدالة مسألة قانون فقط، بل مسألة بقاء مجتمع. فاختارت البلاد مسارًا مجتمعيًا شاقًا، جعل الناس ينظرون إلى بعضهم البعض في وضح النهار، ويقولون ما حدث. لم تكن التجربة بلا أخطاء، ولا بلا ندوب، لكنها حملت فهمًا عميقًا: أن تجاهل الحقيقة في مجتمعات ممزقة لا يصنع سلامًا، بل يصنع خوفًا دائمًا.
وأن العدالة — حتى حين تكون مؤلمة — قد تكون أقل كلفة من الصمت.
في المقابل، هناك تجارب فشلت لأنها استعجلت “الاستقرار”. بلدان قالت: “لنفتح صفحة جديدة”، دون أن تقرأ الصفحة القديمة. فكانت النتيجة أن عاد العنف بأسماء جديدة، وعادت السلطة القهرية بثيابٍ مختلفة، وعادت الأسئلة التي تم إسكاتها لتنفجر في لحظة لاحقة.
العدالة الانتقالية تفشل حين تتحول إلى صفقة. حين تُستخدم المصالحة كغطاء، وحين يُطلب من الضحية أن تدفع وحدها ثمن “السلام”. وتفشل أيضًا حين تُحوَّل إلى سيفٍ أعمى،
لا يميّز بين المسؤوليات، ولا يفهم تعقيد المجتمعات الخارجة من الحرب.
في السودان، نحن نحتاج عدالة تعرف تعقيدنا. عدالة لا تُقسّم الناس إلى ملائكة وشياطين، ولا تساوي في الوقت نفسه بين من أُوذِي ومن أذى..نحتاج عدالة تبدأ بحماية الأحياء، وبالاستماع إلى الناجين دون استعجال، وبتوثيق ما جرى — لا بدافع النبش، بل بدافع الحراسة.
التوثيق هنا ليس أرشيفًا باردًا، هو فعل رعاية للذاكرة، حتى لا يُعاد كتابة الألم ككذبة سياسية.
ونحتاج عدالة تقول بهدوء للجناة، ولكل من تورّط أو صمت وهو يعلم:
الظروف قد تُفسِّر، لكنها لا تُبرِّر. والقوة لا تعفي من السؤال.
السؤال سيأتي. ليس بالضرورة غدًا،
وليس بنفس الشكل،لكنه سيأتي.
العدالة الانتقالية ليست ضد السلام.
هي السلام حين يتوقف عن خداع نفسه. وهي ليست تهديدًا، بل وعدًا أخلاقيًا: أن الوطن الذي يريد أن يعيش، لا بد أن ينظر في جرحه…
لا ليغرق فيه، بل ليُداويه أخيرًا.



