حين يُعتقل المعلّم لأنّه جائع!

حين يُعتقل المعلّم لأنّه جائع!
منعم سليمان
في مدينة كسلا بشرق السودان، لم يرتكب المعلّم والمربّي طارق ميرغني جرماً، سوى أنه طالب بحقه في راتبه المتوقف منذ شهور. لكن (الخلية الأمنية) – ذلك الجهاز الذي ابتكره البرهان ليراقب به أنفاس الناس – اقتحمت منزله، واقتادته إلى جهة لا يعلمها أحد.
حادثة اعتقاله التي تدخل أسبوعها الأول ليست تجاوزاً قانونياً فحسب، بل صفعة على وجه ما تبقى من الدولة السودانية – رحمها الله -، وإعلان فجّ عن زمنٍ صار فيه التعليم ترفاً، والجوع جريمة، والمطالبة بالحق تمرّداً على دولة، غير موجودة أصلاً إلا في حلم المرحوم والد عبد الفتاح البرهان!
عجز سلطة بورتسودان عن دفع الرواتب وتوفير أبسط مقومات الحياة لم يعد سراً. فالمرتبات الهزيلة، التي لا تتجاوز عشرة أو خمسة عشر دولاراً، إن دُفعت أصلاً، لا تسد رمقاً لأيام معدودة.
عشرات الآلاف من الموظفين يعملون بلا أجر، في مشهدٍ يعيد البلاد إلى عصور السُّخرة والعبودية.
الكهرباء غابت، والماء شحيح، والناس يقتلونهم الظمأ، والمستشفيات لافتات فارقها الدواء وهجرتها حتى الفئران.
أمّا الأسواق ففُتحت أفواهها كالوحوش، تلتهم ما تبقّى من مدّخرات الفقراء، في دوامة تضخّمٍ تُفقر الروح قبل الجيب.
غير أن هذا العجز الفاضح لا يصدر عن فقرٍ في الموارد كما تزعم السلطة الفاسدة، بل عن نهبٍ منظّم تمارسه شبكات المتنفّذين في الجيش والأمن والحركات المسلّحة وفلول الكيزان الذين عادوا إلى مؤسسات الدولة بعد انقلاب أكتوبر المشؤوم.
هؤلاء صادروا الوطن وجعلوا موارده حساباتٍ مصرفيةً تخصّهم، يثرون من تجارة الذهب والوقود والإغاثات، بينما يموت الشعب جوعاً.
يُضاف إلى ذلك استمرار الحرب التي رُفِع فيها شعار “بل بس”، ذلك الشعار الأجوف الذي تحوّل إلى غطاءٍ لتبرير كل فشل وسوء إدارة، وإلى ذريعةٍ لتحويل طاقة الدولة من الإعمار إلى الخراب، ومن البناء إلى عبث الدم والنار.
لقد تهاوت مؤسسات الدولة حتى صارت أدوات قمعٍ تتعقّب المعلمين والأطباء والناشطين، وتكمّم كل فمٍ يطالب بلقمة عيشٍ أو بذرة كرامة.
وبينما تُنهب الخزائن وتُقمع الأصوات، تتّسع هاوية المأساة حتى صارت البلاد رهينة حفنة من العسكر وأمراء الحرب من الكيزان وقادة المليشيات والحركات المسلحة الذين يقتاتون على أنين الناس.
ما يحدث في السودان يتجاوز أعباء الحرب وأزماتها الاقتصادية؛ إنه انهيارٌ أخلاقي وسياسي كامل يلتهم فكرة الوطن نفسها.
فحين يُعتقل المعلم لأنه جائع، ويُكرّم اللص لأنه يحمل بندقية، لا تكون البلاد في أزمة حكم .. بل *في احتضار وطن.*



