اليوم الدولي للمرأة الريفية: شقاء الريفيات السودانيات بين الصمود والحرمان

تقرير: المرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان
تُعدّ المرأة الريفية في السودان من أكثر الفئات التي تتحمل أعباء الحياة اليومية، فهي العمود الفقري للقطاعين الزراعي والحيواني، وتشارك بفعالية في إنتاج الغذاء وتأمين سبل العيش للمجتمعات المحلية. ومع ذلك، تعاني النساء في الأرياف من تهميشٍ مزمنٍ وحرمانٍ طويل الأمد من حقوقهن الأساسية، نتيجة غياب السياسات الحكومية العادلة، وضعف الخدمات، واستمرار الحرب التي فاقمت معاناتهن بصورة غير مسبوقة.
ومنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، ازدادت معاناة النساء الريفيات بشكل كبير. فقد تعرضت مناطق عديدة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق إلى غارات جوية بالبراميل المتفجرة نفذها الجيش السوداني، ما أدى إلى تدمير القرى والمزارع، ونفوق الماشية، ونزوح آلاف النساء من منازلهن.
هذا الاستهداف العنيف لمناطق مدنية مأهولة شكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني واعتداءً مباشرًا على حق المرأة في الحياة والأمان والغذاء.
شقاء المرأة الريفية ومعاناتها اليومية:
يعتمد الريف على جهد المرأة في الزراعة وتربية المواشي وتأمين الغذاء، تبقى هذه النساء محرومات من أبسط مقومات الحياة الكريمة.
تستيقظ المرأة الريفية قبل شروق الشمس، تحمل فأسها بيديها الهزيلتين لتزرع الأرض وتحرثها تحت لهيب الشمس الحارقة، ثم تسير عشرات الكيلومترات يوميًا بحثًا عن الماء في مناطق نضبت فيها الآبار وجفّت السواقي.
كثيرات يقطعن هذه المسافات وهن يحملن أطفالهن على ظهورهن، وفي طريق العودة يحمِلن على رؤوسهن أثقال الحطب والمياه، بينما أقدامهن الحافية تخطّ طريق الصبر على ترابٍ قاسٍ وساخن.
تفتقر أغلب المناطق الريفية إلى المياه العذبة والغاز ووسائل الطهي الحديثة، مما يجعل النساء يعتمدن على الحطب والفحم، فيتعرضن للأمراض الصدرية نتيجة الدخان والتعب المزمن. كما تفتقر القرى إلى الخدمات الصحية الأساسية والمدارس والمواصلات، ما يجعل الحصول على الرعاية أو التعليم حلمًا بعيد المنال.
المرأة الريفية ودورها في دعم الاقتصاد السوداني:
رغم قسوة الحياة اليومية وشقاء العمل، تظلّ المرأة الريفية في السودان من الأعمدة الأساسية للاقتصاد المحلي، إذ تلعب دورًا محوريًا في القطاعين الزراعي والحيواني. فهي التي تزرع الأرض، وتحصد المحاصيل، وتعتني بالماشية وتنتج الألبان واللحوم والجلود، لتُسهم بجهدها الصامت في تحريك عجلة الإنتاج ودعم الأسواق الريفية والحضرية على حد سواء.
يُقدَّر أن غالبية الإنتاج الزراعي والغذائي في المناطق الريفية يعتمد على العمل اليدوي للنساء، اللواتي يقمن بحراثة الأرض، وغرس البذور، وجمع المحاصيل، والعناية بالمواشي دون أي مقابلٍ مادي عادل أو حماية اجتماعية. ومع ذلك، لا تزال جهودهن غير معترف بها رسميًا ولا تنال التقدير الذي تستحقه من الدولة أو المؤسسات الاقتصادية.
لقد أظهر غياب الدور الحكومي تقصيراً واضحاً في تبنّي سياسات تراعي احتياجات المرأة الريفية تاريخيا، كما لم تُفعّل الحكومات السابقة الخطط الوطنية الخاصة بتمكين النساء، أو الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها، مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو).
وفي الوقت الراهن بدلاً من تقديم الدعم العاجل للمزارعات والرعايات اللواتي فقدن مصادر دخلهن بسبب القصف، انشغلت السلطات بالصراع العسكري، متجاهلةً مسؤوليتها تجاه الفئات الضعيفة التي تُشكّل قاعدة المجتمع الريفي.

المرأة الريفية تدفع ثمن الإهمال الرسمي:
اليوم، تقف المرأة الريفية في السودان على حافة المعاناة والصمود في آنٍ واحد. فهي التي تزرع الأرض وتُطعم المجتمع، لكنها في المقابل لا تجد من يحميها أو يقدّر جهدها. تعيش على الهامش، في ظل حربٍ حوّلت القرى إلى رمادٍ، والحقول إلى ساحات مهجورة.
في الوقت الذي تُصدر فيه الحكومة التصريحات عن التنمية والسلام، تبقى النساء في الأرياف بلا مأوى، بلا خدمات، وبلا صوت. فكم من أمٍّ ريفية فقدت مزرعتها، وكم من فتاة حُرمت من التعليم، وكم من امرأة أُجبرت على النزوح تحت وابل القنابل!
المرأة الريفية بين النزوح وفقدان الأمان:
لم تتوقف معاناة المرأة الريفية عند حدود الفقر والتعب اليومي، بل تجاوزت ذلك إلى التهجير القسري والنزوح الجماعي نتيجة الحرب المستمرة في السودان. فقد استهدفت الغارات الجوية والقصف العشوائي مناطق واسعة من الريف، ودمرت القرى والمزارع ومصادر المياه، ما أجبر آلاف النساء على ترك منازلهن وأراضيهن الزراعية واللجوء إلى مناطق أكثر أمنًا أو إلى دول الجوار.
اضطرت كثير من النساء إلى السير لمسافات طويلة مع أطفالهن في ظروف بالغة القسوة، دون غذاء كافٍ أو مأوى أو رعاية صحية. وفي مخيمات النزوح، تتواصل معاناتهن من غياب الخصوصية، ونقص الخدمات، وغياب الحماية من العنف والاستغلال، بينما تفقد الكثيرات مصدر رزقهن الوحيد، فتتحول حياتهن من الإنتاج والعمل إلى البحث عن البقاء.
هذا النزوح القسري لم يدمّر حياة النساء فحسب، بل أضعف الاقتصاد الريفي الذي كانت المرأة عماده، وأفقد البلاد طاقة إنتاجية ضخمة كان يمكن أن تسهم في التنمية والاستقرار.
إن ما تتعرض له النساء الريفيات من قصف وتهجير يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، ويكشف عن فشل الحكومة السودانية في حماية المدنيين، وخاصة النساء اللواتي يواجهن الحرب بصبر وصمت.
لقد أثبتت المرأة الريفية السودانية أنها ركيزة الاقتصاد المحلي وعماد الأمن الغذائي، رغم ما تعانيه من تهميشٍ، ونزوحٍ، وحرمانٍ من أبسط الحقوق والخدمات، لذلك فــ إن واجب الدولة اليوم لا يقتصر على الاعتراف الرمزي بدورها، بل يتطلّب خطوات عملية حقيقية لتمكينها؛ عبر دعمها بالمشروعات الزراعية، وتوفير وسائل الإنتاج الحديثة، وتأمين المياه والخدمات الصحية، وضمان دخلٍ ثابتٍ يعبّر عن تقدير المجتمع لجهودها واتخاذ التدابير اللازمة لحمايتها وحماية الأسر في الريف.
تمكين المرأة الريفية هو تمكين للوطن، ومن هنا نناشد الحكومة السودانية بالعمل الجاد على رفع معاناة النساء الريفيات وحمايتهن من ويلات الحرب، وتقدير مساهمتهن في بناء الاقتصاد الوطني.
ايضا وبكل محبة وثناء يتقدم المرصد بخالص الشكر والتقدير إلى المرأة الريفية السودانية على صمودها وتحملها للصعاب والعقبات رغم قسوة الظروف تاريخيا و بصورة خاصة اثناء تحديات الحرب.




