أماني الطويل والسودان: هل يصمد مخطط إقامة شبه دولة في السودان تحت التاج المصري؟

أماني الطويل والسودان: هل يصمد مخطط إقامة شبه دولة في السودان تحت التاج المصري؟
ابراهيم مطر
في مقال لها بعنوان “نحن والسودان”، حذرت صحفية المخابرات المصرية “أماني الطويل” من “مخطط دولي بمكون إسرائيلي يستهدف وحدة التراب الوطني السوداني، وبدت قلقة على السودانيين بل ومرعوبة إن شئت الدقة، مما يمكن أن “يحيق” بهم جراء هذا المخطط! ويأتي حديث “الطويل” في وقت تضج فيه الأسافير بخبر خمسة وثلاثون مليار دولار عداً ونقداً، دفعتها “جمهورية الضباط” في القاهرة لإسرائيل، وبالتزامن مع قصف إسرائيل لجارة مصر “غزة” والتي ظلت حكومة أماني الطويل تستخدمها كـ”سبوبة”، “تلهف” من خلالها مليارات الدولارات ولا تزال. لكن المصرية “أماني الطويل” تخشي – مع ذلك – على السودان من إسرائيل، ولا تخرج قبل أن تقول سبحان الله.
وقبل أشهر قال الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” في خطاب معلن ومتلفز، إنه يريد من إعلامه المعروف بـ”إعلام السامسونغ”، أن يخلق حالة “فوبيا” عند الشعب المصري من ضياع الدولة – ويعني سقوط نظامه – هكذا وبالحرف الواحد! ولعل “أماني الطويل” استهدت في مقالها بهدي رئيسها الذي تطارده تهمة العمالة لإسرائيل، وتحيط به إحاطة السوار بالمعصم.
وقد رأت أماني الطويل بأم عينها التظاهرات الشعبية في عدد من المدن حول العالم تهتف “لا إله إلا الله السيسي عدو الله”، وتتهمه بتجويع أولي القربى، بعد أن دفع ثمن القنابل التي تسقط على رأسهم صباح مساء، فأي إسرائيل تخشى علينا منها حفيدة المماليك هذه، وبلادها “تقلع ملط”، أمام أول جندي إسرائيلي على الحدود، ناهيك عن كبار القوم وسادتهم.
وسرعان ما دلفت “صحفية المخابرات” إلى قلقها الحقيقي، ومصدر خوفها البائن، وهو كما ذكرت “إضعاف موازين القوى بمنطقة دول حوض النيل لصالح دول المنابع على حساب دولتي الممر والمصب”، وكذلك “تسهيل ولوج الشركات – أيا ما كانت تبعيتها وأيا ما كانت دولها – إلى الموارد الطبيعية السودانية، باعتبار أن موارد السودان الطبيعية هذه، يجب أن تظل حكراً على مصر كحق مكتسب لها، تشتريها بالعملات السودانية المزورة في مصر نفسها، لتضع عليها عبارة “صنع في مصر”، على قفا السودان والسودانيين، وهذا هو سبب قلق “أماني الطويل” الهستيري على موارد السودان. بلغ النظام المصري من الفساد أن بدأ ببيع الأصول والأراضي والجزر للخليج، لكن مصر كانت تستطيع تلافي الانهيار الاقتصادي في كل مرة، عبر نهب مستعمرتها “السودانية” في الجنوب، فوجود دولة وطنية ذات سيادة في السودان هو أسوأ كوابيس صحفية المخابرات المأجورة هذه، ونظامها السياسي.
تعلم “أماني الطويل” إن تحالف السودان التأسيسي لن يترك حقول النفط في كردفان في يد الدواعش، ولن يتنازل عن انتزاع إطلالة على النيل بقوة السلاح، تمكنه من الانضمام لاتفاقية عنتبي لدول حوض النيل. ما يجعل اتفاقية مياه النيل العتيقة، والتي كتبتها مصر بنفسها، ووقعت عليها بالاتفاق مع المستعمر، شيئاً من الماضي، وحقبة تاريخية مظلمة، عنوانها الاستغلال والانتهازية. وقد ظهر هذا المنحى لتحالف “تأسيس” في خطاب رئيسه الأخير حين قال: “لن نترك لهم بترولنا، ولن نترك لهم البحر”.
وعلى وقع الانتصارات الميدانية لقوات تحالف السودان التأسيسي، وفتوحاته الكبيرة على الصعيد الجماهيري والسياسي والدبلوماسي، علمت “أماني الطويل” إن هناك أمراً واقعاً يتشكل، ولا يمكن تجاوزه، ولا تكفي ضربات سلاح الطيران المصري الخاطفة للقرى والمدن والبنى التحتية السودانية للقضاء عليه فقالت: “لا تخلي عن الجيش السوداني، “مهما كان وضعه”! وهذه هي كلمة السر، لأن صحفية المخابرات لن تجد أفضل من وضع الجيش الحالي، ليعمل كوكيل لمستعمر هو الدولة المصرية. لكنها تنازلت قليلاً عن عليائها ووصايتها التي تطفح من كلماتها لتقول: “لا إغلاق لباب أمام الدعم السريع، خوفاً من دعم خيارات انفصال دارفور، وتحول الإقليم إلى بؤرة لتهديد الأمن الإقليمي”.
رأت “أماني الطويل” بأم عينها قوة تحالف تأسيس في معارك السيطرة على المثلث الحدودي وفي معارك كردفان، وخسرت بلادها معركة الاعتراف بحكومة “تأسيس” والتعامل معها، ورأت بأم عينها بورتسودان وهي تُقصف بالمسيرات وتقتل المرتزقة الأتراك في غرفن القيادة والسيطرة للجيش الحليف، ورأت جماهير الشعب السوداني الهادرة في “نيالا وزالنجي والضعين” وفي “دليج وجبال النوبة”، تهتف بشعارات الحرية والسلام والعدالة، فعرفت إن الأمور في السودان تتطلب أكثر من العجرفة.
وتعترف “أماني الطويل” في مقالها بما صار معلوماً بالضرورة عند السودانيين، وهو إن إن قوى النظام القديم من دواعش “المؤتمر الوطني” هم حليف محتمل لها، قافزة نحو ضرورة فرض الوصاية المصرية على صياغة معادلات اليوم الثاني للحرب! ولا تخشى مصر الرسمية شيئاً سوى القوى السياسية الوطنية المدنية السودانية، كون مساومتهم مستحيلة، ولذا أسقطت مصر بالتعاون مع جواسيسها في الداخل حكومة الدكتور “عبد الله حمدوك” المدنية.
ولا تجد صحفية المخابرات المصرية – من فرط احتقارها للسودان والسودانيين – حرجاً في نعت القوى السياسية السودانية بالعمالة للغرب والخليج! أما الخليج فهو ولي نعمة نظامها، ساعده على الانقلاب على الرئيس المنتخب وقتله، ووفر لنظامها الأموال التي يذهب 90% منه للفساد المعلوم. الخليج يا “صحفية المخابرات” سيطر حتى على أنديتكم الرياضية وجنس الإعلاميين والممثلين المصريين، يحج إليهم الرئيس المصري بيد سفلى ورأس مطأطأ صباح مساء على شاشات التلفزة، فعن أي عمالة للخليج تتحدث أماني الطويل؟
وأما عمالة السياسيين المصريين للغرب، وبما إن القوى السياسية السودانية تفوق المصرية بسنين ضوئية، فلنقارنها بالرئيس المصري نفسه الذي وصفه ترامب بالقول إنه ديكتاتوره المفضل my Favorite Dictator، قبل أن يعود لوصفه بالقاتل اللعين Fucking killer، فهي تعيش في بلد يحكمه جاسوس للغرب، دخلت عمالته في علم الكافة، لكنها ومع ذلك لا تجد بأساً في تحذير الآخرين من العمالة التي تجللها من رأسها إلى أخمص قدميها، على الرغم من أن بلادها صارت مداساً للجميع تقريباً ما عدا السودان. وقد تنجح مصر في تكوين شبكة جواسيس لها على هيئة قوة مدنية سودانية موالية، لها لكنها بالتأكيد لن تكون “وازنة”، بمثل ما تأمل الطويل. حرب السودان لا زالت في بدايتها، لكنها يتنتهي بلا شك بعلاقة سودانية مصرية صحية ندية، قوامها المصالح، وإلا فلا.




