الجنرال في متاهته… حسن داؤود في دوامة المرايات الكبرى

الجنرال في متاهته… حسن داؤود في دوامة المرايات الكبرى
عمار نجم الدين
حين وقف أمام المرآة التي نصبها له الجلابي، لم يرَ سوى ظلال من سبقوه في التماهي والانصهار. لقد استبدل ملامحه بصدى صوت سيده، وأعاد ارتداء الزي الذي خلعته أمه يوم خرج من بطنها حرًا. وهكذا، صار الجنرال أكثر مركزية من المركز، وأشدَّ انتماءً لما سحق قومه، حتى صار المثال الحيّ على أن الهامش لا يُهزم بالسلاح، بل حين يقع في غرام جلاده
حين تم تعيين الفريق حسن داؤود، المنتمي إلى قومية النوبة، وزيراً للدفاع في السودان، سارع البعض إلى اعتبار ذلك مؤشراً على تحوّل نحو الشمول والعدالة. غير أن التمحيص في بنية السلطة السودانية يُظهر أن مثل هذه التعيينات لا تعبّر عن تحول حقيقي في موازين القوى أو في توزيع السلطة والثروة. بل تمثل ما يمكن تسميته بـ التموضع الرمزي الوظيفي إدماج شكلي لأبناء الهامش في مناصب عليا، بهدف إضفاء الشرعية على نظام استبعادي لا يزال يحتفظ بجوهره المركزي العنصري والإقصائي.
سيرة الفريق كبرون تكشف الكثير. فرغم انتمائه إلى النوبة، وهي إحدى القوميات التي عانت تهميشًا بنيويًا طويلًا، فإن ولاءه الأيديولوجي ظل راسخًا لمشروع الإسلام السياسي منذ سنوات دراسته الثانوية . وقد تشرّب مع اقرانه من الإسلاميين أفكار سيد قطب والمودودي وحسن الترابي، خاصة مفهوم الولاء والبراء، الذي يقوم على الولاء المطلق للمؤمنين والبراءة من “الجاهلية” وكل ما يخالف الأيديولوجيا الإسلامية المتشددة. هذا المفهوم، المتأثر بقراءات قطبية ومودودية متطرفة، يُعيد إنتاج ثنائيات الإقصاء ويجعل من أتباعه أدوات طيّعة لإعادة بناء الدولة على أسس أحادية ومُعادِية للتعدد.
لكن الأهم من ذلك، هو كيف أن كبرون، وغيره من أبناء الهامش الذين ارتقوا في هرم السلطة، يُظهرون نمطًا سوسيولوجيًا بسوف نسميه (فرط التماهي مع المركز) حيث يسعى هؤلاء لإثبات ولائهم للمركز عبر التشدد العقائدي، والتماهي مع عنف الدولة أكثر من أبناء المركز أنفسهم، كتعويض عن غياب الامتيازات البنيوية التي يتمتع بها أبناء النخبة النيلية العروبية لذلك نجده حارب في الميل أربعين و كبويتا و توريت و لواءات و متحركات جبال النوبة مع على عبد الفتاح و الناجي عبدالله وأنس عمر كضابط مجاهد ضد كل من هو أفريقي في جنوب السودان و النيل الأزرق .
هذه ليست ظاهرة سودانية خالصة. ففي الجزائر ما بعد الاستعمار، تم إدماج بعض النخب الأمازيغية في مشروع قومي عروبي أقصى هوياتهم. وفي الهند الاستعمارية، أنتجت بريطانيا طبقة من “الهنود الإنجليز”، الذين أداروا البيروقراطية الاستعمارية، بينما ظل القرار في يد الإمبراطورية. وحتى في الولايات المتحدة، استخدمت بعض الإدارات شخصيات من الأقليات لتجميل وجه السلطة، بينما بقيت البُنى الاقتصادية والسياسية عنصرية في جوهرها.
في السودان، تصبح هذه الظاهرة أكثر خطورة بسبب العمق الأيديولوجي للمركز، الذي لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل يُتقن استخدام رموز الهامش لإعادة إنتاج سلطته. إن صعود كبرون لا يشكل تهديدًا لمشروع الإسلاموعروبية الحاكم، بل هو تأكيد لنجاحه في تدجين الهامش، وتحويله إلى أداة لحماية البنية نفسها التي قمعته تاريخيًا.
وهكذا، فإن التمثيل الرمزي دون تغيير بنيوي يُعدّ أحد أخطر أدوات التضليل السياسي. إذ يمنح وهم العدالة، بينما يكرّس بنية التهميش والاستعلاء الإثني. بل ويخلق طبقة من الوسطاء الوظيفيين من أبناء الهامش، لا تعبر عن قضايا أهلها، بل تخدم خطاب المركز وسلطته، وتوفر له غطاءً أيديولوجيًا.
لنكن واضحين: وجود كبرون في قيادة الجيش ليس انتصاراً للنوبة، بل هو إجراء محسوب من الدولة السودانية لإقناع الداخل والخارج بوجود “تنوع” في السلطة. لكنه تنوع سطحي، لا يلامس جذور المشكلة، ولا يعيد توزيع السلطة أو الثروة، ولا يعالج جراح التاريخ. إنه أقرب إلى عرض مسرحي نيوكولونيالي، حيث تُؤدى أدوار التنوع على خشبة الدولة، بينما يظل النص مكتوبًا بأيدي النخبة المركزية نفسها.
وفي وقت تتعمق فيه الأزمة السودانية، يجب على المجتمع الدولي أن يقرأ المشهد بعين ناقدة. ليس كل تنوع تقدمًا، وليس كل تعيين إصلاحًا، وليس كل جنرال ما يبدو عليه.




