Site icon صحيفة الصيحة

الأزمة السياسية: إبعاد المحاصصات.. خارطة طريق للعبور

العسكر والمدنيين في السودان

الأزمة السياسية: إبعاد المحاصصات.. خارطة طريق للعبور

تقرير- مريم أبَّشر

قال مستشار السلام في مؤسسة القانون الدولي والسياسات العامة وعضو مجلس السيادة في حكومة الدكتور عبد الله حمدوك، الأستاذ محمد حسن التعايشي،  إن المشاكل التاريخية والمعاصرة مجتمعة تمثل قضايا الحرب والسلام في السودان، وقال: إن الصراع  يتمثل في قضيتين أساسيتين لديهما ارتباط بالدولة والمجتمع وهما: الموارد والهوية، وأكد أن معالجة هاتين القضيتين تساهم بصورة مباشرة في تحقيق دولة مستقرة ومجتمع متسالم، وأشار إلى أن السودان ومنذ الاستقلال شهد حالات كبيرة جداً من التفاوت التنموي في مناطق السودان المختلفة، وأبان أن هذا التفاوت ليس بالضرورة أن يعبِّر عن قصد النخب التي حكمت، ولكن يعبِّر عن فشل في إدارة الموارد وتوزيعها في السودان الأمر الذي قاد إلى مشاكل معاصرة نتجت بتطاول الحروب في السودان .

وأوضح مستشار السلام في مؤسسة القانون الدولي والسياسات العامة أن قضايا النازحين واللاجيئن، وتعدد الجيوش، العدالة والعدالة الانتقالية، الأرض واستخداماتها، والمزاوجة مابين المواطنة وحقوق المواطنة والملكيات العرفية، كلها مجتمعة تمثل أسباب الصراع التاريخية والمعاصرة، وأضاف قائلاً: ” ما لم ينجح السودانيون في معالجة القضايا التاريخية والمعاصرة لن تكون هنالك  إمكانية لبناء دولة مستقرة ومجتمع آمن”، وأكد في هذا الصدد أنه عبر التاريخ ومنذ اتفاقية أديس أبابا ١٩٧٢_١٩٧٤م وحتى آخر اتفاقية جوبا فإن هذه الاتفاقيات عملت على معالجة هذه القضايا، ولكن جميعها لم تحقق قضايا السلام الأساسية التى يتطلع لها “أي زول”، وأرجع السبب في نقض العهود والمواثيق، وعدم اعتراف ما بين القضايا الأساسية من معظم الفاعلين السياسين في الدولة، ونوَّه إلى أن هذه القضايا مجتمعة تعالج في نقطة واحدة وهي الإرادة السياسية وتقديم القضايا الوطنية على قضايا الولاءت الحزبية.

وجدَّد  التعايشي أن جميع اتفاقيات السلام في السودان وُقعت مع حكم شمولي دكتاتوري، ماعدا اتفاقية جوبا للسلام التي تم توقيعها في بيئة ديموقراطية كظاهرة جديدة، وأردف أن الظاهرة الأقرب هذه المرة هي المرة الوحيدة التى يأتي يشارك في نقض العهود والمواثيق المجموعة الحاكمة “العسكريين” والذين وقعوا على اتفاق السلام، ولفت إلى أن هذه الظاهرة لايمكن إنكارها، وأضاف التعايشي قائلاً:  “لا يمكن أن تحشد أي سبب سياسي مهما كان وتبرر إنك أنت وقعت على اتفاقية سلام ضُمنت في دستور السودان وعالجت جميع القضايا المرتبطة بالقضايا التاريخية والقضايا المعاصرة ثم تتفق مع مجموعة أُخرى في الحكومة وتنقلب على الوثيقة الدستورية التى تضمنت اتفاقية السلام”، وأكد أن عدم الالتزام بالعهود والمواثيق سبب جوهري في عدم تنفيذ الاتفاقيات من بينها اتفاقية جوبا.

أس الداء

ما أورده التعايشي من قضايا أساسية يمثل حلها الأصل في ترتيب البيت الداخلي من أجل  الوصول لسودان متصالح ومتسامح ومتعايش، ويرى مراقبون كذلك أن التشظئ  السياسي غير المسبوق يمثل عقبة أساسية أمام محاولات بناء دولة السودان الحديثة التي تسع الجميع دون تمييز والمحصنة بالسلام والحرية و العدالة.

على طول تاريخه السياسي، خلقت الأحداث في السودان تأثيراً في المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي والحياة العامة، وظلت تنعكس آثارها على ما يحدث اليوم، فلم تحظَ هذه الدولة سوى بفترات قصيرة من الاستقرار دون أن تهدأ آلة الحرب المشتعلة في أطرافه نهائياً. ووسط حالات العنف السياسي تفاقمت الآثار الاقتصادية والاجتماعية، والفوضى الإدارية، وتفشَّى الفساد، كما تجلت الأزمة السياسية السودانية في الانقلابات العسكرية والاحتكاك السياسي بين المدنيين والعسكريين وعدم الوصول إلى حالة توافق، وهذا مرده إلى جذور ارتبطت بفشل النخبة منذ فترة ما بعد الاستقلال في معالجة الخلافات السياسية، فضلاً عن قصور الحلول العسكرية التي تختزل في اللجوء للانقلاب العسكري.

الهوية

وشكلت أزمة الهوية عقبة أمام المجتمع  السوداني، وتمظهرت بشعور بالظلم وبعد  الاستقلال لم يغيِّر السودانيون السياسات والبرامج التنموية التي تركها الاستعمار مما ولد عدم إدراك لمقومات الدولة المستقلة ومواردها.ويرى الدكتور  منصور خالد، أن الفشل المتراكم للدولة السودانية وقصر نظر النخبة السياسية وعقليتها التمييزية المتحيزة منذ الاستقلال، إذ كان يعتقد أنها هي التي قادت مع وصول الإسلاميين للحكم وفرض برامج الأسلمة القسرية والتطرف ضد المواطنين والتمكين السياسي والاقتصادي للنخبة الحاكمة على نحو شامل، إلى نتائجها مما أدى لتقسيم البلاد وارتكاب جرائم الإبادة الجماعية ضد شعوب الهامش وتعميق حدة الانقسامات المجتمعية على أسس إثنية وجهوية وثقافية والانهيار الاقتصادي والإفقار الشامل

ظل الجدل السياسي حول الدستور قائماً في عهود ما بعد الاستقلال، إذ سيطرت فكرة النظام الفيدرالي على المشهد السياسى فهو المخرج من الأزمة.

معاً نمضي

القدرة على تخطي الأزمة السياسية  الراهنة التي تعيش فيها البلاد يرى مراقبون أنها تتطلب من جميع القوى السياسية والقبلية وأقاليم السودان مجتمعة بكل تصنيفاتها ممارسة قدر كبير من التجرُّد والمسئولية ووضع أمن وسلامة البلاد ووحده فوق كل الاعتبار والسعي معاً لخلق واقع جديد وضعت اللبنات الأساسية له ثورة ديسمبر المجيدة ممثلة في شعاراتها الخالده التي سألت من أجلها دماء الشباب (الحرية والسلام والعدالة).

ويرون إذا ما تحققت تلك الشعارات فإن كل المشاكل الأخرى تتقاصر دونها ويصبح لا يهم من يحكم السودان طالما أن قواعد كيف يحكم موجودة وموثقة باتفاق كل السودانيين، ويضيف المراقبون أن مبادئ وأسس بناء الدولة السودانية الحديثة يجب أن تصدر وفق رؤى سودانية خالصة تتشارك فيها كل القبائل والإثنيات حتى تصبح صناعة سودانية خالصه لأن السودانيين هم الأكثر دارية لكيف يحكمون أنفسهم ويديرون بلادهم ويرون أن الآخرين من الدول الصديقة والشقيقة يمكنهم المساهمة والمساعدة في خلق علاقات جيِّدة أساسها المصلحة المشتركة حتى يتمكن السودان من تخطى هذه المرحلة.

أنجزنا خطوة

المحلِّل السياسي الأستاذ عبد الله آدم خاطر، أشار إلى أننا كسودانيين أنجزنا حتى الآن ما يمكن أن نعتمد عليه في توحيد صفوفنا، وأضاف: نحن حريصين في أن يكون السودان واحد موحد بنظام حكم فيدرالي ديموقراطي تكون سيادة حكم القانون هي الحاكمة، وأضاف هذه الأسس المهمة لقائمة الدولة السودانية الحديثة أوجدتها ثورة ديسمبر المجيدة ولا خروج منها، ونبِّه خاطر في إفادته لـ(الصيحة) إلى أن الانتقال من نظام مركزي شمولي إلى نظام فيدرالي يحتاج إلى نوع المعرفة والكياسة، وأشار إلى أن التوقيع على الاتفاق الإطاري قطع شوطاً في هذا الإطار وتم تكون لجان لمناقشة القضايا الأساسية المتمثلة في العدالة والعدالة الانتقالية وإعادة إصلاح المؤسسة العسكرية واتفاق السلام، وقد أنجزت أعمال لجنة تفكيك بنجاح، وفيما تتواصل المباحثات حول بقية القضايا فضلاً عن الدخول في ترشيحات اختيار رئيس الوزرا، وقال: الآن نحن نمضي نحو الإمام. وقال: هنالك العديد من القوى السياسية انضمت للاتفاق الإطاري بعد اجتماعات لجنة التحكيم وأن عدداً كبيراً من المجتمع الدولي والإقليمي يقف مساندة للاتفاق الإطاري، وزاد: حتى المبادرة المصرية لم ترفض الإطاري ولاتوجد أي توجهات خارجية ترفض الإطاري، ولكن ربما لديهم بعض وجهات نظر وكل طرف يساند بطريقته، وأضاف: حتى ترد قوى الحرية والتغيير على الطرح المصري استند على أن الاتفاق الإطاري قطع خطوات باتجاه حل الأزمة. و تابع: (طريق الصعود للجبل لا يتم عبر خط مستقيم ).

فى إشارة إلى أن الطريق نحو تحقيق الهدف بتكوين دولة القانون والسلام والعدالة لابد أن يمر بمطبات وتعرجات.

المحاصصات

مافي شك أن الحل بالداخل وأي تدخلات خارجية هي تعقيد للمشكلة، وزاد: أصلاً التدخلات الخارجية هي التي عمَّقت الأزمة هذه هي رؤية البروفيسور عبده مختار، أستاذ بالجامعات، وتابع: عندما نلجأ للخارج هذا يعني أننا فشلنا في التفاهم فيما بيننا، وقال: إن بالسودان كفاءات ونخب على مستوى من الدراية والعلم، ولكن الذين يتضاربون تسيطر عليهم نزعة السلطة  والأنانية. وتابع: (لو أنهم أدركوا أن هذه الفترة انتقالية وكراسي مؤقتة وأن عليهم الاستعداد لبناء أحزابهم وتأسيسها والانتظار للفترة الديموقراطية لكان انتهت الفترة الانتقالية بقيادة بقيادة كفاءات مستقلة).

ونبَّه إلى أن الدخول في المحاصصات الحزبية أدى إلى عدم الاتفاق بسبب الأطماع، لأن كل حزب يحاول الحصول على أكبر قسط من الكراسي عدداً ونوعاً.

ويرى مختار لابد من إبعاد القوى السياسية عن الجهاز التنفيذي خاصة مجلس الوزراء والوزراء الولائيين، ويعتقد أن تجاوز الأزمة يتم بإبعاد الأحزاب عن الفترة الانتقالية وتركها الكفاءات السودانية وما أكثرهم، كما قال: غير أن صوتهم غير مسموع لأنهم ليس لديهم حزب أو حركة مسلحة. ويتابع: (الأجدر والأفضل أن يتم إبعاد الفترة الانتقالية الحالية عن المحاصصات وأن يتم توفير المناخ المناسب للكفاءات للتخطيط السليم وصولاً للديموقراطية المستدامة في سودان يسع الجميع.

Exit mobile version