عبد الله مسار يكتب: ليس لديّ وقتٌ

17 سبتمبر 2022م
قيل إنّ امرأة تسكن في المدينة ولديها جارة كلما طرقت عليها الباب صباحاً لتقول لها تفضّلي اشربي معي كباية شاي أو فنجان قهوة، كانت تأخذ حجابها ومفتاحها وتدخل وتقول أين الشاي أو أين القهوة، فليس لديّ وقت. أغلي القهوة أو الشاي سريعاً ونشرب ونقوم وتقول ليس لديّ وقت، وقالت جارتها كنت أتعجّب من قولها ذلك.
وكل يوم أعزمها تكرّر نفس العبارة ليس لديّ وقت، وكنت أعجب أنها اكبر مني عمراً وليس لديها سوى زوج عجوز مثلها، ودائماً تسترق الزيارة سريعاً وتعود وتعتذر ليس لديها وقت.
وأحياناً أعزم نفسي عندها وأراها تبتسم وتقول اذهبي أغلي القهوة أو الشاي فليس لديّ وقت، وأزاد عجباً فلا أرى ما يشغلها، ولكنّني أشرب الشاي أو القهوة وأعود عاجلاً وسريعاً إلى منزلي خوفاً من إزعاجها.
وذات يوم قلت لها مازحة يا ريت تشغليني معك بالذي يشغلك ويجعلك دائمًا ليس لديك وقتٌ، فأشرق وجهها استبشاراً وفرحت، وقالت منذ زمن وأنا انتظر منك هذا الطلب، غداً إن شاء الله نبدأ عملنا معاً.
دخلت عليها في الصباح وشربنا القهوة معاً ومن ثم قالت ليس لدينا وقت، أحضرت مصحفين وقالت هيا بنا نقرأ آية ونتدبّرها ونحاسب أنفسنا أين نحن منها. حبست أنفاسي مصحف؟ آية؟ نتدبّر؟ أين أنا من هذا؟
هذا ما يشغلك يا جارتي العزيزة الرائعة؟ هذا هو لغز (ليس لديك وقت).
قالت مبتسمة نعم، فلم يعد لدينا أنا وانت وقتٌ نسابق زمن عُمرنا ودقائقه وثوانيه قبل أن يسبقنا ونجد أنفسنا في قبرٍ مظلمٍ لا ينيره سوى نور القرآن والصدق مع كلام الله وتعمير أوقاتنا بالطاعات المبرات.
وهنا فعلاً أحسست لحظتها إني كبرت كثيراً، وإنه فعلاً ليس لديّ وقت وفعلاً أحسست أنّ (رِجلاً في القبر والأخرى خارجه)، وشعرت أن يدي تمسك بحافة القبر وأنا أنظر إليه، وأحسست بدقات قلبي معدودة، أمسكت بالمصحف، عطشي ارتوى منه ولا ينتهي ظمأي.
آهـ يا نفسي كم شغلتيني عن كلام ربي، سأسابق الزمن والعمر قبل الموت.
أيها السُّودانيون، العمل والإخلاص فيه عبادة والأعمار معدودةٌ ومحدّدةٌ، ولذلك نحتاج أن نملأها بخير الكلام وجاد العمل.
أيُّها السّاسة، أغلبكم قد هُرمتم وما زلتم مشغولين بالصراع مع بعضكم وكل يوم تعملون أعمالاً غير مُفيدة للسودانيين ولا لأنفسكم، بل جل وقتنا نتشاكس ونتصادم ونتصارع وكلٌّ يقصي الآخر!!
أيُّها السّادة، كلٌّ يراجع نفسه هل في هذا مصلحة للوطن أو النفس وكل واحد فينا اتى الرحمن فردا.
أعتقد نحتاج أن نُطبِّق قانون هذه المرأة العجوز (ليس لديّ وقت)، لأنه قانون الحياة والآخرة، فصلاح زماننا الآن هو صلاح آخرتنا.
هلا انتبهنا، أعتقد حكمة (ليس لديّ وقتٌ) يجب أن تكون القانون الذي يُنظِّم حياتنا، فكم وقتا ضيعناه دون أن نقدم فيه عَملاً مُفيداً لأهلنا ووطننا بل حتى لأنفسنا.
أعتقد قانون (ليس لديّ وقتٌ) مطلوبٌ أن يحمله الكل وخاصّةً كبار السن منا وبصفة خاصّة ساسة السودان أعتقد إنّها الغفلة.

انضم لقروب الصيحة على واتساب اضغط هنا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى