د. كمال الشريف يكتب : سياستنا.. دولار.. ولالوبة.. وكلاشنكوف

12 اغسطس 2022م

 

راجعت مع أحد الخبراء رفقاء العلم والكتابة والشفافية من إخواننا شمال الوادي، ميزانية إقامة (حولية) واحدة من احدى ليالي طريقة صوفية في السودان بعيداً عن ذكر اسمها، وبعد أن تجوّلنا في صفوف أهل الطريقة، وتجولنا في مرافق دار الطريقة، وذهبنا للمضيَّفات بأنواعها المختلفة ولمطاعم الطريقة ولسكن الشيوخ كبارهم وصغارهم ولمضيَّفة الحيران

…إلخ .. أدوات ومعدات تسيير وتشغيل هذه المؤسسة الضخمة كما اسماها صديقنا، بأن موازنة هذه (الطريقة) أو المشيخة أو مُسمّياتها المختلفة لا تقل عن ٤٥ مليون دولار سنوياً.. ليلتها لم أستطع النوم خشيت أن أصاب بلعنة أحدهم إن راجعت الأمر سراً. (تذكّرت هذا وأنا أراجع في مداخل السياسة ومداخل الصوفيين في البلاد).

والصوفية في السودان والسنغال ومالي والمغرب ونيجيريا يمثلون حالياً ثقلاً اجتماعياً واقتصادياً ودينياً وفكرياً ضخماً، وأخرجت أدوارهم من مُعالجة مشاكل المُجتمعات المشخصنة الى مشاكل المناطق التي يقطنون فيها، وأيضاً خرجت الى دور بناء نفسي لكثير من التفلتات التي صاحبت رفاهية السوشيال ميديا، وأجبرها بعض من المتعلمين الذين تنفّسوا الصعداء، عندها  ظن خلال الذكر ودورانه ومُراجعة مشاكل الزائرين والتقرب إلى أنفسهم وأموالهم من خلال هؤلاء الذاكرين والمتطوعين درباً الى جرجرة الشيوخ للسياسة التي كانوا يعتبرونها رجزاً من عمل الشيطان، لقذارتها ولخبرتهم في قادتها الذين كانوا ومازالوا يتنفّسون الصعداء تحت أقدامهم وببوس أياديهم وبحفظ أورادهم ولبس برقعهم وحركة أجسادهم وكسب حيرانهم كموالين لهم في يومٍ ما، وصرف أموالهم بمسمياتها المختلفة في خلاويهم، ولا تعرف نواياهم.

وكان العام ٢٠١٧ قد شهد دخول أول حزب صوفي سوداني الى دهاليز السياسة في السودان وأسس عبد الجبار الشيخ بلال حزبه (الصوفي الديمقراطي) عن مشيخة الطريقة السمانية الطيبية، ليخرج ترفع الصوفيين وزهدهم عن ترف الحياة وملذاتها وتجنب فتنها، ومن بينها فتنة السياسة، وأيّده وقتها كبار قادة المؤتمر الوطني الذين راحت عليهم وقتها معالم السياسة والمجتمع لانشغالهم بالاقتصاد والاستثمار، وقد ينجح الاستثمار الصوفي الذي كان قد بدأ وقد لحنت المدائح بنوتات موسيقى برعي ووردي وكرومة.

وكان الحزب الصوفي الديمقراطي، قد أعلن في بيانه الأول أنه حزب يضم جماعة من أهل التصوف (وأحبابهم بالبلاد)، وإنه حزبٌ يدعو لتحقيق قيم الديمقراطية والقومية والعدالة والحرية والمساواة بين الناس في البلاد.

واعتبار أن الصوفية من الممكن أن تنجح في أن تقود السياسة بالبلاد في هذا الوقت قد يكون شيئاً من الخيال، باعتبار أن الطرق الصوفية في السودان لم تدخل مرحلة الاستثمار الاقتصادي بصورته العلمية المربوكة التي دخلت في الاقتصاد والمال والتخطيط، منذ أن فتح المرحوم حمدي الأسواق وسط عقول لا تعرف معنى الانفتاح وخرجت معه وبعدة نظريات، آخرها ما جاء في تقارير التهريب والتنقيب والترويض والتدربج وصولاً للتريس.

والصوفيون لهم خبرة أخرى غير السياسة هي إدارة أموال أهل السياسة القذرة وهذا ما حدثنا به أحدهم عليه الرحمة بأنّ الصوفيين والمشايخ يقبلون تقرب أهل السياسة بأموالهم لتنظيف أموالهم وتنقية أجسادهم، وقال إنهم لم ينجحوا في ذلك حتى الآن.

وقال لي أستاذنا د. منصور خالد إن نميري قد أربك الصوفيين في السودان عندما أدخل النيل أبو قرون الى القصر، وجاء عمر محمد الطيب وأدخل القادرية الى القصر، وأدخل أهل الإنقاذ صوفيين من كل أنحاء أفريقيا، والآن أدخل السيادي التجانية الى القصر.

وكل هذا الدخول لا يعنِي أنّ السياسيين استطاعوا أن يراهنوا بقوة السجادة وسماحة شيوخها ووفاء حيرانها في احتلال السياسة والمال والجاه والسلطة في البلاد.

وتعتبر قراءة اقتصادية أن أكثر من ٣٥ طريقة صوفية في السودان تتحكّم في ادارة ربع أهل السودان وتمتلك أصولاً ومساهمات واستثمارات من الداخل والخارج قد تزيد عن ٤٠٠ مليون دولار سنوياً، وهذه مراجعات خاصة  جداً.

وتأتي مبادرات لحل الازمة السياسية في السودان من الطرق الصوفية مختلفة الأركان ومقبولة في شكلها ومضمونها، وفقيرة في إدارتها لتحريرها سياسياً حتى تطفو في سطح بلد أنهكه كهلة سياسة وأطماع تجار وتملق  لصوص مجتمع وهم نجومه، وليبرالية أولاد وجيل لا يثق في الكبار الذين وظيفتهم في السودان، سياسيون ووزراء ورجال أعمال ورجال مجتمع وسماسرة حرب.

واعتبار أن مبادرة الشيخ (الجد) قد تكون جيدة كواحدة من ١٤ مبادرة اعتمدتها الأمم المتحدة، وجانب جيد من المجتمع المحلي والدولي قد تصلح لوجود إطار ممتاز لحكم البلاد قد نسفها.

ظهور نجوم نسفوا (أول اجتماع للآلية الثلاثية في روتانا) وكانت سبباً في اختفاء مسمى الآلية وولد لبات حيناً من الدهر.

علينا أن ندرك أن شيوخاً آخرين يقودون السياسة وقتاً من الزمان بواسطة كلاشنكوفات أيضاً، ويستثمرون فيه، وأصبح سعره في وقت من الأوقات في سوق الفاشر أرخص من لينجراد، لا يعرفون أن جيلاً آخر صعد الى ساحات السياسة عبر منافذ جامعات ومعاهد وثقافات في أوروبا وأمريكا عبر بوابات مختلفة ذهب إليها، يأتون الى السياسة هذه المرة من غير حركة مسلحة ولا بندقية ولا تجارة تهريب.

جيل آخر يأتي الآن ليتحكّم في إدارة قضاياهم غير الكلاشنكوف ومسمى (حركة مسلحة) التي هي مرهونة في يوم آخر من اليانكي ومن تبعهم بأنها (ارهابية).

إذن خروج الكلاشنكوف ودخول المبرقع واللالوبة لإدارة السياسة في السودان سوف يمهد لدخول عنصر آخر يتحكم في إدارة السياسة (بعيداً عن المال والاقتصاد والتخطيط).

ويا حي يا قيوم

انضم لقروب الصيحة على واتساب اضغط هنا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى