ما بعد الاتفاق.. الهبوط الامن!!

تقرير: نجدة بشارة

على الرغم من أن الاتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير جاء (برداً وسلاماً) على الشعب السوداني وقوبل بالأكف المتضرعة شكرأ وعرفاناً لله، قياساً على أيام الانسداد (الكر والفر) بين الطرفين، إلا أن المعطيات تقول “علينا بالصبر، فالمعركة لم تنته بعد”، وقد تجري كثير من المياه من تحت الجسر..! حتى تنتصر الإرادة السياسية مثلما انتصرت الثورة على الأرض، وفي ذلك عدَّ محللون في الشأن السياسي ما حدث خطوة للانتقال من مرحلة النضال (الثورة) إلى بناء (الدولة)، ويتطلعون بحذر لما بعد الاتفاق، خاصة وأن كافة الأبواب باتت مشرعة الآن.. فهل من سبيل لخروج السودان من الأزمة السياسية الراهنة؟ وما هي التحديات التي تنتظره في مرحلة ما بعد الاتفاق؟

اللبنة الأولى

وكانت قوى الحرية والتغيير قد أعلنت أن المرحلة الانتقالية تعد أولى لبنات الخروج من الأزمة، والأشهر الـ6 الأولى تهدف للتوصل إلى سلام، ومناشدة السودانيين الانخراط في عملية مصالحة شاملة، فيما كشفت عن تسمية رئيس الوزراء الجديد وتشكيل المجلس السيادي في غضون الأسبوع الجاري، والتوقيع على الاتفاق الجديد مع المجلس العسكري سيتم خلال الأسبوع المقبل، وأضافت: بأن “الاتفاق تضمن أن تكون الفترة الانتقالية كاملة مدتها ثلاث سنوات، والمجلس السيادي سيتكون من 5 مدنيين و5 عسكريين بالإضافة لعضو مدني يتوافق عليه الطرفان، وأن الاتفاق يهدف لترتيب مستويات السلطة وتوزيعها، ويعالج نواقص الاتفاق القديم، وستكون هناك ضمانات دولية ومحلية للاتفاق الجديد مع المجلس العسكري الانتقالي، ولكن الشعب هو الضامن الأساسي لاستمرار الاتفاق واتفق المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير على إقامة مجلس سيادي بالتناوب بين العسكريين والمدنيين لمدة 3 سنوات، وإجراء تحقيق دقيق وشفاف لمختلف الأحداث والوقائع التي شهدتها البلاد في الفترة الأخيرة، ونص الاتفاق كذلك على إرجاء إقامة المجلس التشريعي والبت في تفصيلاته إلى حين تشكيل حكومة مدنية في السودان تضم الكفاءات الوطنية.

مخاوف مشروعة

بينما رأى آخرون أن الاتفاق بين العسكري وقوى التغيير هو اتفاق مرحلي يتطلب مجهوداً آخر من الطرفين للتوصل إلى اتفاق كامل، وهذا رهين بالملفات الشائكة التي تنتظرهما، لا سيما لجنة التحقيق للأحداث بالبلاد وعلى رأسها حادثة فض الاعتصام أمام القيادة بالخرطوم 3 يونيو الماضي، هذه القضية لن تكون الوحيدة، فهناك ملفات أخرى قد تضع الاتفاق على المحك منها إصرار المجلس العسكري على إشراك قوى سياسية عرفت بمشاركتها النظام السابق، منها أحزاب “المؤتمر الشعبي” و”الإصلاح الآن” الإسلاميون، والحزب الاتحادي الديمقراطي، وأيضًا ملف الحركات المسلحة. ولعل ذلك ما يستشف من حديث نائب رئيس العسكري، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، عندما طمأن الحركات المسلحة والقوى السياسية الأخرى بأنه لن يتم إقصاء أحد في الفترة الانتقالية، وقالوا إن هذه النقاط تعتبر مخاوف مشرعة بالإضافة لقضية تأجيل تشكيل المجلس التشريعي. فيما يرى خبراء أن أكبر مهدد للاتفاق بين العسكري وقوى التغيير يكمن في تحركات ما يعرف بفلول النظام السابق، الذين سيعملون بقوة على إفشال الاتفاق بكل السبل حتى بالثورات المضادة على أقل تقدير.

مفترق طرق

وفي المقابل، اعتبر المحلل السياسي بروفسير عبدو مختار في حديثه لـ(الصيحة) “إن هذا مفترق طرق لمن شاء أن يسجل نقطة وطنية في سطر التاريخ”، وقال إن الاتفاق يمثل خطوة إيجابية في طريق حل الأزمة السياسية في السودان، إلا أنه يرى أن المرحلة ربما تحتاج لإرادة قوية وتنازلات لأجل الوطن للوصول إلى توافق يرضي الجميع ويؤسس لدولة مستقرة تقوم على المواطنة والقانون، وأردف أن هذا لا يتأتى إلا باستماع السياسيين للعلماء والباحثين.

وتوقع مختار أن الخطوة القادمة ستبدأ بتشكيل لجنة مشتركة للتعاطي مع الحركات المسلحة والدخول في مفاوضات لأجل الوصول إلى السلام الشامل، وقال إن الظروف الآن مواتية لوضع معادلة سياسية تحقق مطالب الجميع، وطالب باستصحاب مواقف الصادق المهدي الحكيمة التي تبناها مؤخراً في حديثه عن زهده في المشاركة في الحكم والاكتفاء بالنصح.

تحديات

إلا أن المحلل السياسي، د. الحاج محمد خير ،فيرى في حديثه لـ(الصيحة) أن الأتفاق ما زال معلقاً حتى الآن ولا ينزل إلى الأرض ما لم يُحدّد بسقف زمني للتنفيذ، وقال إن الاتفاق سيواجه تحدي التحقيقات في جرائم فض الاعتصام وقتل الشهداء، أما من الناحية التنفيذية للاتفاق فقال إن المجلس العسكري سيكون قد حل تلقائياً، وقد يضم المجلس السيادي 5 ممثلين فيما يذهب اثنان من أعضاء المجلس الحالي لرئاسة وزارتي الدفاع والخارجية، ومن المتوقع أن يمثل المجلس السيادي رمز السيادة أو الجهة السيادية الشبيهة بنظام الملك في بريطانيا (الحكم يسود ولا يحكم) منصب (تشريفي)، حيث الحكومة الفعلية في يد الجهاز التنفيذي تحت قيادة رئيس الوزراء مع الاحتفاظ للجيش والشرطة بمنصبي الدفاع والداخلية على التوالي ، وتقتصر في المحافظه على أمن ووحدة البلاد، بالإضافة لتمثيل الدولة في المحافل الدولية، فيما يناط بالحرية والتغير أن تمثل الجهاز التنفيذي وتوكل لها مهمة تشكيل حكومة من الوزراء، ويرى أن القرارات سيصدرها المجلس العسكري وتخضع لتوصية مجلس الوزراء.

ولعل الحاج تطرق لنقطة مهمة بمطالبته للمجلس العسكري بالالتزام الأخلاقي تجاه الحشود التي سبق واستقطب ودها وطرق عليها الباب للمشاركة في الانتقالي عندما نفد صبره من الحرية والتغيير سابقاً، لا سيما الإدارات الأهلية، والعمل على تهدئة خواطر هذه الأحزاب.

ومع ذلك، وإلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي على كل تفاصيل الفترة الانتقالية، يظل الوضع في السودان قابلاً لكل الاحتمالات خاصة، وأن الوقائع باتت تنتقل لمربع المهام والصلاحيات المناطة بالحكومة الانتقالية وممثليها من المدني أو العسكري، وبالمقابل إيجاد صيغة سياسية محددة لإدارة الفترة الانتقالية تحتوي على معرفة المساحة التي سيتحرك فيها كلٌّ منهم وعن (لمن ستكون الغلبة في إدارة مطبخ القرارات).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى