الكنداكة بين "أماني شخيتو" و"أب بخرات"

كتب أ. خالد الشيخ حاج محمود

في احتفال المجلس الاعلى للشباب والرياضة بولاية شمال كردفان، بمناسبة توزيع المعدات الرياضية على الأندية بالولاية هدية من مولانا أحمد محمد هارون والي الولاية السابق، سألني أحد الإخوة الأعزاء عن سر أغنية الكنداكة التي تغنت بها فرقة البالمبو  بمصاحبة الراقصات والراقصين على إيقاع الأغنية، وكان سؤاله عن علاقة الأغنية بكنداكات مروي، فجاء ردي له بأنه لا توجد علاقة مُطلقاً بين كنداكات مروي وبين الأغنية ذائعة الصيت (الكنداكة)، إلا في إطار الموروث الشعبي والتاريخي، فالكنداكة اسم نوبي و(الكان داك)، الفعل يشير للأعمال الجليلة فقط، هنالك ربط للتجانس الحرفي والصوتي للكلمتين، فضلاً عن وجود تواصل وربط بين هذه المراحل التاريخية، باعتبار أن الكنداكة تعني القيادة الإدارية، و(الكان داك) تعني القيادة الروحية، وعلى كلٍّ، فإن الشعر والموسيقى دخلا بقوة للتوثيق للقيم الاجتماعية والتاريخية المهمة، وعندما شعرتُ بأن ذلك العزيز تاه في فهم الشرح، قلتُ له بأن الكنداكات منهن أمانى شخيتو (Amani Shakheto ) والتي أشار إليها الأدب الروماني والإغريقي بأن  على بوابة الهرم رقم (6) في مروي الجبانة الشمالية، هنالك صورتان لملكة جليلة مهيبة بدينة الجسم عليها كل شارات ورموز الملكية، وفى كلا المشهدين تحمل في يدها اليمنى حبلاً مربوطاً حول رقاب مجموعة من الأسرى، وفي ذلك المشهد على الجانب الشمالى من البوابة نجدها تلوح بقوس وأسهم  وتحمل  بيدها اليسرى حربة والتي هي على وشك أن تغرسها في أجساد أعداء البلاد (الصورة الأمامية)، وكتب اسمها باللغة المروية المصوّرة في خرطوش ملكي فوق وأمام رأسها مباشرة (أماني شخيتو)، كان كما أشار لذلك كارل هانز في كتابه (دهب مروي) الذي ترجمه صلاح عمر الصادق، بأن كابو متأكد تماماً أن هذه المرأة هي إحدى النساء اللاتي كُن يحملن الإمبراطورية المروية، وعُرفن باسم (الكنداكة)، كما أن هنالك نصاً إغريقياً من القرن الثالث قبل الميلاد، يقول إن الكنداكة هو لقب لأم الملك، لذلك هنالك احتمال أن تكون الكنداكة أم الملك، فضلاً عن أن بعض الأمثلة تشير للكنداكة كحاكم (قور)، ومن هذه الأمثلة الإشارة إلى أماني شخيتو التي جلست على العرش إبان النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد.

الجدير بالذكر أن الامبراطور أغسطس هزم مصر في عام 29 ق.م، وفي نقش ورد تقرير عن مفاوضات جرت مع سفراء ملك إثيوبيا (مروي) حول الوضع في النوبة السفلى، لكن سرعان ما انفجرت الحرب بين المرويين والرومان بل إن المرويين هاجموا (أسوان) والفنتين وقيلاي وانزلوا تمثال الأمبراطور أغسطس، وبناء على ذلك تقدّم الوالي الروماني وهزم أعداءه واستولى على حصن بريمس (primis) مما جعل القادة يتحدثون للملكة الكنداكة التي كانت تحكم في تلك الفترة إثيوبيا وكانت إمراة رابطة الجأش والشجاعة عوراء، وبعد ذلك تقدم الجيش حتى نبتة موقع عرش الكنداكة حيث يجلس ابنها، بينما تراجعت هي إلى قلعة مجاورة، وبالرغم من موافقة الكنداكة على قبول السلام، إلا أن نبتة دُمّرت، وبعد تراجُع جنود الامبراطور الروماني، حاولت الكنداكة استرجاع بريمس، ولكن بلا جدوى، بيد أن السلام تحقق في عام 23 ق.م وكان في صالح مروي.

والكنداكة المذكورة فى هذه الأحداث، إما أن تكون هي الملكة (أماني ريناس)  (Amani Renas) أو ريثتها المباشرة (أماني شخيتو) وكلاهما تركت نقوشاً طويلة فيها طلاسم عديدة وتفسيرات غير واضحة، لكن المؤكد أن القوتين المروية والرومانية جنحتا للتعايش السلمي في النوبة السفلى حتى نهاية سقوط مملكة مروي، وبذلك ازدهرت منطقة النوبة السفلى كأرض مروية، يديرها نوابٌ للملك المروين ثم للمرة الثانية انتعش قلب المملكة حول مروي من القرن الأول الميلادي حتى القرن الرابع الميلادين عندما تقدمت إلى الطليعة مملكة (أكسوم الحبشية)، وسقطت مدن (الكاسو) في أيدي النوبة الذين استقروا هنالك قبل فترة طويلة ليحكموا النوبة العليا والسفلى، وهكذا  انتهت مملكة نبتة مروي السودانية، بعدما حكمت السودان كسُلطة مركزية قوية أثرت وتأثّرت بالأحداث العالمية، وهي من أطول الممالك عمراً في التاريخ، فقد عاصرت الحكم الفرعوني والإغريقي والروماني والمسيحي، واستمرت كقوة عالمية ينعم شعبها بالرفاهية والعدل والسلام لمدة أربعة عشر قرناً من 900 ق .م – 300م، كما أن الكنداكات كُنَّ رمزاً للتقدير والتبجيل من شعبهن، وبالتالى صِرن في ذاكرة تلك الشعوب.

أما الكان داك (إشارة للكنداكة)، فهي أغنية تراثية شعبية أول من تغنى بها الفنان الشعبي (خلف الله حمد) وقد قِيلت في عام 1930م، عند وفاة الشيخ حسب الرسول ود العبيد ود بدر وشاعرة الأغنية هي حواء حسب النبي المشهورة بأم برعة، والدة الشاعر عباس عبد الملك الذي كتب الأغنية التراثية المشهورة (غنيتا للستات، وأنا قصدي الانبساط دايماً يا أخوانا مع البنات)، والتى تغنى بها فنان الحقيبة عبد الله الماحي، ثم الفنان الشعبي بادى محمد الطيب، وبعده الفنان الأستاذ صلاح بن البادية.

والجدير بالذكر أن هناك من يقول بأن أغنية الكنداكة أساساً هي مدحة ألفها أحد حيران الشيخ العبيد ود بدر عند وفاة الشيخ حسب الرسول، ولكن بعض الباحثين والمؤرّخين في المنطقة أشاروا للشاعرة أم برعة باعتبارها مؤلفة الأغنية، ولقد قامت بتسليمها للمُدّاح لإنشادها والشيخ العبيد ود بدر اسمه (محمد بن أحمد بن موسى  ود بدر)، وقد اشتهر بالعبيد ود بدر والذي قالت عنه والدته (ريا بت أبو زيد) منذ أن ولدته ونشأ ما رأيته مال إلى هوى قط، وقد طغى الاسم الأخير ود بدر، وذلك بسبب نسبته إلى جده بدر حتى أصبح أكثر شيوعاً من العبيد. ولقد ولد الشيخ العبيد وترعرع في بيئة بدوية رعوية، حيث أن أهله رعاة مُترحّلون بين قرى نهر النيل ومنطقة الجعليين، وعُرف الشيخ ود عبيد منذ نشأته بعلامات الصلاح والتقوى، كما وصفته الرواية الشفاهية بأنه كان أقرب منه للنحافة من البدانة متوسط القامة وضىء الوجه يحب الأبيض من الثياب ويفترش الأرض في مجلسه، ولا منامه ولا يرتفع صوته مسمعاً ولا يستفيض فى حديث إلا عند مجالس العلم والإرشاد،  وأيضًا عرف بالفراسة والحكمة وعلو الهمة والكرم، حيث خرج أهله من مسقط رأسهم هاربين بعد (كتلة شندي) من قوز الحوارة إلى قوز رجب، ومنها عبروا البطانة حتى منطقة أم ضبان، وجاء تكليف العبيد بأمر الدعوة من الشيخ عوض الجيد بمقولة مأثورة خاطب بها ود بدر (العاديك تكلنا عليك)، وتزوج شيخ العبيد زوجته الأولى (ستنا بت العجيل من الحسانية)، وهي والدة ابنه وخليفته الأول الشيخ أحمد، كما تزوج أيضاً (فاطمة بنت علي ود أحمد) والدة ابنيه (حسب الرسول ومصطفى)، وهي من أبو شريق (بحر أم ضوابان)، ويُقال والعًهدة على الراوي أنه طلبها للخطوبة مرّتين فرفض أهلها وعاوَد الكرة للمرة الثالثة فوافقوا، وكان يقول (من الفيها نمشي ونجيها).

وقد شمّر الشيخ العبيد ود بدر عن ساعد الجد وحارَب الأتراك مُناصراً الإمام المهدي، بالرغم من رفضه الخروج من أم ضبان إلى الخرطوم حيث كان يقول (بركة القيوم ما أصل الخرطوم)، وكان العبيد هو من ابتدر حصار الخرطوم، وقد ورد في مذكرات الجنرال غردون (أن الشيخ العبيد جعل محطته بالقرب من الجريف على الضفة اليمنى من النيل الأزرق ولديه اثنان من المراكب في عرض النيل جيئة وذهاباً في نقل الحبوب بواسطة ود قون).

وأبناء الشيخ العبيد هم (أحمد وكرار وحسب الرسول والطيب والفكي خالد والعباس)ن وفي نهاية شهر أكتوبر عام 1884م توفي الشيخ العبيد ود بدرن وخلفه ابنه أحمد والذي حينما توفي خلفه ابنه حسب الرسول ود بدر، والذي توفي في عام  1930م، ولقد ولد الخليفة حسب الرسول ود بدر فى عام 1282هـ في  قرية أم ضبان من قبيلة الستيناب الجعليينن وهم أساساً مسلمية بكرية، ويقال إنه عند مولده حضر لأم ضبان السيد الحسن الميرغني، وقال لوالده (ابنك هذا السيد سيكون له شأن كبير)، ومن حينها صار كل من يسمى عند البادراب بحسب الرسول يقال له السيد، ولأنه أحيا طريق والده وأرشد المريدين وأخيار السودان، لذلك كان يقول له والده العبيد ود بدر (يا أبو أخفاف المن الله بتخاف والبترقد عند الأكتاف)، وبالفعل عندما توفي الشيخ حسب الرسول دفن بالقرب من والده في جانب أكتافه.

بدأ الخليفة حسب الرسول قراءة القرآن في كنف والده ثم درس على يد شقيقه شيخ الطيب، وأتم حفظ القرآن على يدي أخيه الشيخ العباس، كما أخذ البيعة من والده مباشرة. ودرس العلوم الشرعية عن الفقه الإسلامى على يد شيوخ أجلاء منهم الشيخ محمد طاهر ود عبد االدائم من قرية ود عيسىن وفي عام 1302هـ توفي والده، وخلفه ابنه الشيخ أحمد ود العبيد ود بدر، والذي طلب من الخليفة حسب الرسول تدريس القرآن للمريدين، وقال له (يا حسب الرسول يا التشيل الحمول).

الجدير بالذكر أن ستة من أبناء الشيخ العبيد تولوا تعليم القرآن بمسيده هم (أحمد وكرار وحسب الرسول والطيب والفكي خالد والشيخ العباس)، كما أن الشيخ العباس تنازل عن الخلافة لشقيقه الشيخ حسب الرسول والذي واصل تدريس القرآن بالمسيد لفترة تجاوزت الأربعين عاماً، تخرج فيها على يديه حفظة تجاوزوا الـ 575 حافظاً، وعندما توفي الشيخ حسب الرسول في عام 1930م، رثاه العديد من الشعراء والمريدين وعارفي فضله منهم الشيخ عبد الباقى عمر المكاشفي، والذي قال:

الله أكبر خطب حزن الوجع

بفقده الإسلام قد فُجع

أبكى الخليفة نجل القطب سيدنا

أبكى الذي في طريق القوم  قد بَرع

فى بلدة ضوها قد بان منتشر

يهدي وللرشد دانيها ومن شسع

وقد عرف الشيخ حسب الرسول (بود أشقر أب بخرات)  في منطقة أم ضبان والتي ساسه فيها :

متين يا تمساح  الأربعين يا مَكدر نايبك سنين

نادى ود بدر وفي أم ضبان ساسك متين

وأيضاً رثى شاعر الحقيبة محمد ود الرضي المشهور في المنطقة (بتنبيه الغافلين) الشيخ حسب الرسول ود بدر عندما توفي بقوله :

وروني أب آمنة وين متلو

فقير اللوح يالمسلو

مهابة وصولة يلبسلو

وإليه أحن من نسلو

وعلى ذات الطريقة والمنوال سار في رثاء الشيخ حسب الرسول الشاعر عبد الرحمن الشكري كما أورد الأستاذ الكاتب الصحفي المرموق عمر البشير:

اتحزّم وقف فوق ناطورك

هايباك الرجال خايفين فرم سافورك

يوم سهر الليلي مندرج لي شطورك

التوحيد مقوتك والتلاوة فطورك

كان الحزن على رحيل الخليفة حسب الرسول ود بدر عصرئذٍ عظيماً، لا سيما وقد كانت له سلطتان (روحية وعشائرية) على أهله البادراب الشيء الذي جعل الشعراء يتبارون في مدحه ورثائه، كما فعلت حكامة والده الشاعرة حواء حسب النبي المشهورة بأم برعة والتي شق عليها فقده، فحزنت عليه لأنه كان كريم الخصال والسجايا وصاحب يد ممدودة وعطايا، لذلك قامت بتأليف أغنية (الكان داك) التي صارت (الكنداكة)، والإشارة إلى (داك) هنا معني بها الشيخ ود بدر، والكان مقصود بها ابنه الشيخ حسب الرسولن ولقد تغنى بأغنية الكنداكة في بداية بزوغ فجرها كروان التراث الشعبي الفنان خلف الله حمد، بعدما كانت تؤدّى في شكل إنشاد ومديح عند البادراب، ومن مفرداتها المؤثرة والقوية والمليئة بالحزن والأمل والرجاء:

أبوى  وينو بحر الدواية

أبوي وينو الجاتو العماي

أبو وينو البحضر جناي

أبوي وينو الإيدو عطاي

يا حليلو سيدي البعبر

سيد حلقة التكر

سيد القدح البجر حرسو للفجر

ضويت ليلة القدر

دا اسمو الشيخ حسب الرسول

ود شيخي العبيد ود بدر

هوي بمدح بجيب شكرات

في ود أشقر أب بخرات

وكت العيش بقي بالملوات

ود أمنة حوبتك جات

الكنداكة سيدي سيد الأراكا

سيدي سيدي الطاحونة

أبوي وينو مرواد العمايا

أبوي وينو بحر الظمايا

وينو البحضر جنايا

اه لينا سيدي البعبي الكيلة

أبوي وينو سيد الطاحونة

أبوي وينو كاسي العرايا

أبوي وينو الإيدو عطايا

أبوي وينو سيد القدح البجر

أبوي وينو سيد الساقية التخر

أبوي وينو سيد الحلقة التكر

أبوي وينو نارو بتوقد جمر

أبوي وينو ولدوه ليلة القدر

سموه حسب الرسول

سيدي الوارث الشيخ ود بدر

الكنداكة سيدي سيدي الأراكا

متل أبوي وينو نحاسو البنقر

الجدري الحبس البازنقر

هوي يمدح فوق المسيد

واقع فوق للحدود

يوم تجلي ويوم تزيد

مالو مدح الرشيد

الكناكة سيدي سيدي الطاحونة

الكنداكة أب غرة عندو المونة

الكنداكة هوي دا ود ريا

الكنداكة عندو الفضية

 

التقدير لوطننا العزيز بأبنائه الشجعان ونسائه المحفلات اللاتي حفظن كبرياء أبطاله وشحنّ الهمم عند المحن والصعاب، والتحية لشعرائه الذين تملكهم إحساس المسؤولية الوطنية فرفعوه إلى آفاق أرحب، ومن ذلك الشعور النبيل كتب الشاعر عمر البنا قصيدة (أخوان آمنة) قال في بعض مقاطعها :

شدولو ركب فوق قارعو الأدهم

لحاق الصديق والجار في ساعة الهم

إن حمّر فى الزول غير شك يكتلو وهم

يتدردق تقول مضروب بألف سهم

 

ولله در الشيخ العبيد ود بدر وأبنائه وأحفاده والشايلين الليل ذكرن وحقاً إن أولاد سيدي بو بكري لا فيهم سفيه لا مكري .

حاشية:

وفاءً وعرفاناً لروح الصديق العزيز الجنرال أحمد طه محمد الحسن  (رحمه الله) الذي كان يهتم بالتوثيق  للثقافة السودانية من خلال العدد الأسبوعي وتلبية لنداء الأخوين العزيزين (الصادق الرزيقي ويوسف عبد المنان)  بضرورة عودة العدد الأسبوعي أعود للكتابة  بصحيفة “الصيحة”، وأرجو من كل الزملاء أن تكون عودة جماعية من أجل صديق عزيز له في نفوسنا محبة  (والعندو محبة ما خلى الحبة).

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق