زكريا حامد.. ابتسامة تقهر الألم وتطوع القلم

الخرطوم: علي الصادق البصير

عندما توارت الدموع التي ودّعت الصحفي الرقم زكريا حامد، وهو يهم بالمغادرة إلى قاهرة المعز مستشفياً، كان هو رحمه الله يحس بتلك المشاعر، فيبادلها ذات الإحساس، ولكن بطريقة مختلفة، فسرعان ما يهمس بين تلك الأحضان فيحيل ذاك الوجل إلى ابتسامة ساحرة تجب ما علق بالقلب من حزن، هكذا قابل الأستاذ الراحل زكريا حامد هذه الدنيا بشجاعة وفراسة وابتسامة خالدة.. (الصيحة) وعبر هذه المساحة تقف عند بعض محطات ومسيرة رجل كتب اسمه في سجل الخالدين. 

*سيرة وسريرة

زكريا حامد حسنين أو (حسن تربيع) كما يحلو له بطريقته المعهودة  ولد بوادي حلفا، وتلقى بها تعليمه الأولي، إلتحق بجامعة الأزهر الشريف كلية اللغة العربية والصحافة والإعلام  وحاز على ليسانس الصحافة والإعلام، وبعد التخرج عمل في بداياته الصحفية بصحيفة “الأضواء” السياسية، “النهضة”، ومن ثم عمل بصحيفة “السودان الحديث” مع كوكبة من الصحافيين الشباب، ثم التحق بصحيفة “أخبار اليوم”، “ألوان” رئيساً لقسم الأخبار،  ثم سكرتير ومدير التحرير، ثم أسس مع الأستاذ محمد الطيب، أحمد عبد الوهاب صحيفة “الحياة” السياسية، ومن ثم تنقل بعدد من الصحف، وعمل كاتباً راتبًا في عدد من الإصدارات والدوريات، وشارك في عدد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية. 

اشتهر الفقيد بكتاباته الساخرة عبر زاويته الشهيرة  (حاجة غريية). ويعتبر الفقيد من أشهر الكتاب الساخرين في السودان. تنقل بعموده في أخيرة  الصحف التي عمل بها، وكان يرسل رسالة يومية (روشتة) ساخرة يشخص عبرها مشكلات الواقع والراهن بأسلوب شيق ومهضوم، فطوال هذه السنوات لم يكرر فكرته، وكل يوم كان يأتي بالجديد المدهش والمواكب  وكثير من القراء كانوا يبدأون يومهم (بحاجة غريبة)، وقد تفوَق بها على أقرانه ورصفائه في كتابة السخرية بتفرده وروحه المرحة وخياله الخصب وطرفته (المهضومة) فهو ينتمي لمدرسة السهل الممتنع .

*حراك مجتمعي نادر

 انتقل للسكن في مدينة الصحفيين  بالوادي الأخضر، وأحدث بعبقريته حراكاً مجتمعياً فريداً، وفي ذلك يقول 

الصحفي آدم دران من سكان الوادي الأخضر ورفيق الفقيد في عدد من المحطات الإعلامية يقول: لزكريا مشاركات مميزة  في العمل المجتمعي والطوعي والخدمي، وكان قيادياً متصفاً بكل الصفات الجيدة، وميزته أنه حاز على قلوب وعقول سكان الوادي الأخضر.

 فيما قال الصحفي بالوادي الأخضر هاشم عمر، إن زكريا كان أحد الشخصيات الرئيسية  بالمدينة، حيث لُقّب (بشيخ الوادي)، وكان عضواً فعالاً في مختلف لجان التنمية، عمل مع عدد من الناشطين في تنفيذ مشروع نهضة الوادي الأخضر وقام بإعداد  عدد من الأوراق المختصة عن دور الثقافة والفن والرياضة حوت العديد من المقترحات والموجهات لتنمية الوادي، وعمل أميناً عامًا للجنة الشعبية واختير لدوره المجتمعي في مجلس أمناء مركز صحي الصحافيين بالوادي الأخضر، ورئيسًا لنادي الصحافيين بالوادي الأخضر كما شارك في العديد من الفعاليات الخاصة بالمرأة والطفل بالمنطقة وسجل حلقة بقناة “الشروق” تناول فيها نشأة مربعات الوادي الأخضر. 

عُرف الفقيد بطيب المعشر وحسن الخلق  والكرم، فكان منزله بمدينة الصحفيين قبلة لكل الزملاء والإعلاميين وطلاب وأصحاب الحاجات، فكان يتقاسم معهم مرتبه الضعيف، يقابلهم هاشاً باشاً مع رفيقة دربه الأستاذة نوال.

 وبرحيله فقدت الصحافة السودانية، أحد فرسانها من الذين تركوا بصمة واضحة في نهضته التي أحبها وأعطاها جل وقته حيث تخرج على يديه جيل كامل الآن معظمهم على سدة مواقع قيادية في وسائل الإعلام  المختلفة. 

مجالس الأنس والأحباب ومجتمعه في السودان الكبير  والصغير في مدينة الوادي الأخضر التي أحبها وأحب إنسانها فبادلته الحب والتقدير، فكان أيقونة الوادي  ونجم مجالسها محبوباً من الجميع الصغير والكبير، ويضيف هاشم: عرفناه أخًا كريماً مضيافاً مسالماً محباً للخير للجميع لا نزكيه على الله ، ولكن فقده جلل. وخسارة كبرى ولكنها أقدار الله، والحزن يتجدد ويكبر يومًا بعد يوم.

 اللهم أرحم عبدك زكريا حامد حسنين وألهمنا مع أصدقائه وزملائه وأهله الصبر الجميل (إنا لله وإنا إليه راجعون). و(لا حول ولا قوة إلا بالله)

*جيل صحفي معتق

  عاصر الأستاذ زكريا حامد جيلاً معتقاً من الإعلاميين والصحفيين، أبرزهم  الأستاذ إسماعيل آدم، ومحمد جمال الدين وخديجة الباهي، ورقية أبوشوك والصحافي المهاجر البدوي يوسف، ومنير دقنة، والكاريكاتيرست نزيه حسن والراحل سعد الدين إبراهيم، والراحل صلاح حماده، وآخرون كثر يصعب تذكرهم، وعن هذا الجيل يقول لـ(الصيحة) الأستاذ إسماعيل آدم إن زكريا من الصحفيين الضاربين في المهنة ولا يرضى في مهنته أبداً.. نعم لديه القدرة على المعالجات التحريرية، ولكنه ينتمي إلى مدرسة الخبر ويعشق الخبر وإذا فاته يتمرغ في التراب، عملت معه كثيراً وزاملته حقبة زمنية مقدرة بالسودان الحديث، فكان بيننا الاحترام، كما أنه يتمتع بأفضل المبادرات الإخبارية، وزكريا أينما وجد ينجذب إليه الناس، وإذا انتقل إلى مكتب انتقلوا معه حتى في البوفيه تجد الجميع حوله، لأنه كان ملاذاً للزملاء الذين يحتاجون للكثير من إبداعاته خاصة بعد العودة من  الدوائر الحارقة طوال اليوم، اشتهر الراحل بكرم فياض، وهو رجل مجامل ولا يتخلف في محن الزملاء وبكل المقاييس شاطر ومحبوب ويتمتع بذكاء حاد، وذكاؤه الاجتماعي كان سراً من أسرار نجوميته. 

*الحلفاوي  زكريا وأهله

البروفيسور الشيخ العيد  من أسرة الراحل زكريا حامد، وهو أستاذ الآداب بجامعة أمدرمان الإسلامية تناول نشأة الفقيد وتواصله وبره برحمه، وقال: إن العمل الإعلامي معروف بالضغط الشديد، ومعظم العاملين بالصحافة يشتكون من عدم قدرتهم على الوفاء بالالتزامات الاسرية والتواصل، ورغم أن الراحل كان قيادياً سواء كان رئيساً لقسم أو سكرتير تحرير أو مدير تحرير أو رئيس تحرير فإنه كان يسجل حضوراً دائماً وسط الأهل مما أكسبه مكانة خاصة عند أسرته، رحمه الله.  

==

 حوار أرشيفي لصاحب (حاجة غريبة) 

عاد من الأزهر بليسانس السخرية..

 زكريا حامد: الحلفاويون يحبون الصيام.. والدليل حبوبتي

الخرطوم ــ أمير الشعراني

في نفس زكريا بعض من نعرات جدّه السابع وتقليعات صديقه الحالي، إذا كان رائق المزاج، فهو متحدث مُسلٍّ و«نجار» من طراز رفيع.. متعته الصغيرة أن يسحب الآخرين معه من قصة مختلقة حتى الثانية ليتركهم عالقين في منتصف المنطق المختل.. ويؤوب ضاحكاً..! إذا حدثته هازلاً سيقول لك دون حرج: «بايخة.. قديمة» ثم يجعل منك موضوعاً لخياله الساخر وتشنيعاته، فحارة زكريا لا تصلح مكاناً لبيع «موية النكات»..!

زكريا حامد حسنين، أو حسن تربيع كما يقول عن نفسه، ولفرط كراهيته للرياضيات، سحب جده لأبيه واكتفى من قافية اسمه بحامد.

بعثه أهله إلى الأزهر الشريف وبدلاً من أن يعود منها معتمراً الطربوش الأحمر والجلابية، عاد متأبطاً ليسانس السخرية في الإعلام والشهادة العالمية في إنتاج النكتة ليكون مرشداً في فهم جلائط العرب وصناعتها..!

* أول عمود صحفي في رمضان؟

ــ أول عمود صحافي كتبته في رمضان 1996م.. كتبت فيهو حاجة غريبة عن عمنا حلفاوي ما كان بصوم رمضان، وكنت كل ما ألاقيهو أدعوه للصيام، عشان ما يقولو الحلفاويين علاقتهم بالصيام ضعيفة، كنت بقول ليهو جرب يوم يومين كدا، فرد علي بزهج:

يا أخي أنا جربت الفطر دا حداشر شهر لقيتو ما بطال معاي.. أجازف ليه؟

عمنا قرأ العمود قام زعل مني!

* زكريا حامد، صحفى دخل الأضواء من دائرة «الأضواء».. الكلام دا صاح؟

ــ “الأضواء” عندي معاها حكاية عجيبة، مرة وأنا أترجل في شوارع الخرطوم لمحت لافتة كبيرة مكتوب عليها “الأضواء”، افتكرتها محل للأنوار والأدوات الكهربية، لقيتا ليك جريدة، دي كانوا كاتبنها صغيرة التقول خجلانين منها، عاينت بالقزاز شفت أستاذنا المرحوم محمد سعيد معروف، كان مستشارنا الثقافي في مصر أيام كنا طلبة في الأزهر الشريف، وكان من المعجبين جدًا بنكات الحلفاويين وبجي يحضر لينا ندوات كتيرة عندما كنت أنا رئيس رابطة أبناء حلفا. دخلت “الأضواء” وسلمت عليهم وسألتهم:

بتعملوا فى شنو؟

ردّ على الأستاذ معروف: بنبيع سندوتشات، يعني ما شايف الماكيت دا؟

قلت ليهم داير اشتغل معاكم.. قالوا لي طوالي من بكرة تعال..

* والحصل شنو؟

جيت قابلت رئيس التحرير الأستاذ محمد الحسن أحمد، قال لي الأستاذ محمد سعيد معروف كلّمني عنّك، وعيّني معاهم بـ 100 جنيه!

* حاجة غريبة في “الأضواء”؟

ــ مشيت حلفا عملت تحقيق جبتا فيهو ناس بيتنا كلهم.. في واحد غتيت كشفني وقال ليهم زكريا دا مستهبل، فات حلفا أكل ملوحة واشتغل التحقيق من بيت أهلو!

*مثال لإقامة غير حميدة في بيوت الإيجار؟

ــ دي كانت فى الحلة الجديدة، كنت مأجر نُص بيت، سيد البيت كان ضارب بيتو بوماستك جديد عشان كدا منع أي نشاط دخاني.. عمل شية اللحم ممنوع وقفل علينا حتى حفرة الدخان.. قال عشان ما نبوظ ليهو الحيطة، والفترة دي ما كانت سكنة، دي كانت خدمة الزامية عديل.

تصوّر مرة جيت الساعة حداشر بالليل رفض يفتح الباب، بعد ساعة قال لي: انت منو؟

قلت ليهو: أنا زكريا.

قال: زكريا منو؟

قلت ليهو: زكريا حامد يا عم عبد الله.

قال لى: جاي من وين؟

قلت ليهو: من الجريدة.

قال: ما قلنا ليكم بعد الساعة عشرة محل جيت ترجع تنوم..!

سيد البيت العجيب دا وقفني ليك في الشارع لغاية الساعة واحدة.

مرة مشيت سوريا جبت ليهو ساعة جديدة قلت يمكن أرشيهو، لكن الحال في حالو..

* حاجة غريبة؟

ــ في حلفا عندنا عمنا عبد الرحمن كان مِكرّهنا في حمارنا.. أبوي يجي من الشغل ما يعدي عشرة دقائق.. يجي يقول دائر أوصل بيهو حاجة ـ ما غريبة ـ يوم أبوي جا زهجان نزل من الحمار، وقال لينا دسوهو جوة البيت من الزول دا.. وفعلاً صاحبنا جا داير الحمار.. أبوي قال ليهو الليلة الحمار ماجبتو.. خليتو في الحواشة، لكن الحمار العوير ما انستر معانا قام هنق طوالي، الراجل قال لأبوي:

ــ دا شنو.. ما قلت الحمار في الحواشة؟!

أبوى قال ليهو:

ــ شنو يا عبد الرحمن.. بقيت تكضبني أنا وتصدق الحمار..!

مقالات ذات صلة

إغلاق