تفكيك الإنقاذ.. (البل في الحل)!!

 

الخرطوم: صلاح مختار

من المُتوقّع أن يعكف اليوم المجلس السيادي ومجلس الوزراء على مُناقشة مشروع قانون (تفكيك الإنقاذ) وإزالة التمكين، والذي اعتمده مجلس الوزراء أمس الأول، ورغم أن القانون في مراحله الأولى، فإنّ إجازة الحكومة للقانون يعني أن القانون في طور الطباخة النهائية. وتبدو مهمة تفكيك النظام السابق مُعقّدة وقد تستغرق وقتاً بحسب مُراقبين، إلا أنّها تأتي ضمن جُهُود إعادة ترميم الأوضاع الداخلية والعلاقات الخارجية، وقد تستغرق وقتاً ليس بالقصير، ولعل الإعلان يأتي عقب اعتقال علي الحاج الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي، وامتد إلى اعتقال البروفيسور عبد الرحيم علي وحسن مكي وغيرهم من الإسلاميين السابقين حتى الذين انقطعت علاقتهم بنظام الإنقاذ لسنوات طويلة.

مشروعات القوانين

وقال وزير الثقافة والإعلام المتحدث باسم الحكومة فيصل محمد صالح في تصريحات، إنّ (مشروعات القوانين التي قدّمها وزير العدل نصر الدين عبد البارئ هي مشروع قانون بإلغاء قانون النظام العام والآداب العامة بالولايات لسنة 2019)، بجانب مشروع قانون مفوضية إعادة بناء المنظومة القانونية والعدلية لسنة 2019، بالإضافة إلى قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين.

تشكيل لجنة

وكان النائب العام، قد أصدر قراراً بتشكيل لجنة للتحقيق في انقلاب 1989 الذي أتى بالرئيس السابق عمر البشير رئيساً، وهو ما عُرف اصطلاحاً بثورة (الإنقاذ). وأُوكلت لجنة التحقيق إلى رئيس نيابة عامة هو سيف اليزل محمد سري ووكيل النيابة أحمد النور عضواً ومقرراً، بينما كان لافتاً ضمن اللجنة اللواء شرطة (م) عابدين الطاهر، وهو الذي شغل إبان عهد النظام السابق منصب مدير المباحث الجنائية قبل أن يُقال من منصبه ويُغادر البلاد. وتختص اللجنة وفقاً للقرار “بالتحري والتحقيق في وقائع الانقلاب الذي حدث العام 1989 على الشرعية الدستورية”.

الهرج والمرج

ويرى المحلل السِّياسي صلاح الدومة أنّه بالنسبة للذين يرون أنّ الفترة الانتقالية لا يُمكن أن تُطبّق فيها القانون حفاظاً على السلام، أقول هؤلاء هم من المؤتمر الوطني ونظام الإنقاذ ويصدرون (الهرج والمرج)، ودائماً لأيّة مُشكلة لديهم حجّة، لكن حجّتهم دائماً ينقصها الذكاء ومتدنية لدرجة الصفر, الأمر الآخر القانون جيِّدٌ وهو تنظيمٌ للعمل الثوري، ولكن في تقديري أصلاً لا داعي للقانون وكان يتم التفكيك دُون اللجوء إلى القانون باعتبار الشرعية الثورية وهي أكبر من القانون وأكبر من الدستور، ولذلك لا داعي للقانون.

تقنين الأفعال

وقال الدومة لـ(الصيحة): أنا لا ألوم السُّلطة التنفيذية بأيِّ حالٍ من الأحوال، لأن قِوى إعلان الحُرية كان أمام واحد من خيارين، إما الثورة تضيع، وإما أن يقبلوا بالاتفاق الذي نعتبره ناقصاً وإما تكون هنالك حرب أهلية، وبالتالي وافقوا على الاتّفاق الناقص الذي يُعطي المجلس العسكري الحق في تعيين وزير الدفاع والداخلية وسيطرة على جهاز الاتّصالات، تلك الصلاحيات جَعلت السُّلطة التنفيذية تجتهد في تَقنين أفعاله واستصدار القَانون، وطالما السُّلطة التنفيذية أصبحت طائراً مَكسور الجناح يقنّن أفعاله إرضاءً للمجلس الانتقالي.

مصلحة الشعب

ورغم مُوافقة كمال عمر، القيادي بالمؤتمر الشعبي على مبدأ القانون، حيث قال لـ”سبوتنِك”: (نحن مع تفكيك منظومة المؤتمر الوطني، على أن يكون الهدف من التفكيك هو مصلحة الشعب السوداني وليس مصلحة قِوى الحرية والتغيير، لأنّنا الآن انتقلنا من تمكين المؤتمر الوطني إلى تمكين الحرية والتغيير)، وأضاف: (السودان لديه مُشكلة سياسية في الوقت الراهن وإلى الآن لم يحدث تغييرٌ في السودان، حيث بدأت الحُرية والتّغيير من حيث انتهى المُؤتمر الوطني، ولم تتم مُراعاة اختيار الشّخصيات المُستقلة للمناصب القيادية لخدمة الوطن، فما حَدَثَ هو عملية إحلال وإبدال، ولكننا نُريد تفكيك نظام الإنقاذ الذي هيمن على السودان طيلة ثلاثة عُقُودٍ مضت وأورث البلاد الدمار، فليس معقولاً أن نستبدل الدمار بدمارٍ آخر).

مصداقية المُعارضة

ولأنّ عملية التفكيك السريع لنظام الإنقاذ هي عملية باهظة التكاليف، باعتبار أنها ستصنع أزمات واحتقاناً، قال عمر لـ(الصيحة): (لا نختلف أن نظام المؤتمر الوطني نظام سيئ، لكن الحالة الاقتصادية للبلاد الآن أسوأ من أيام المؤتمر الوطني، ومُجرّد الإعلان عن مشروع التفكيك، دخلت البلاد في أزمة اقتصادية واحتقان، حيث يمر السودان الآن بحالة من الانقسام والانشطار الأيديولوجي، والحركات المُسلحة اليوم ليست جُزءاً من المنظومة، والتيار الإسلامي العريض يُعادي الآن ويُحاكم في ظل العلمانية الشاذة في تفكيرها، ولم يستبعد أن تصاحب القرار أعمال شغب، لأنّ التفكيك يتم بعُنفٍ ومُحاولة استعمال آليات العدالة بحيثيات سياسية)، وأضاف: كان الأجدر للشعب السوداني (العفو والمُصالحة)، لأنّ هناك الكثير من قيادات الإنقاذ سَيُحاولون الدفاع عن مصالحهم، وقال: (دعوتي للمصالحة والعفو تعني أن الكثير من المُعارضة السودانية اشترك مع المؤتمر الوطني، ما يدفعنا للشك في مصداقية المُعارضة الحالية).

أول سابقة

وتأسف القيادي بالمؤتمر الوطني د. هشام التجاني في حديث لـ(الصيحة) على إجازة مجلس الوزراء قانون تفكيك التمكين باعتباره أول سابقة في كل العُهُود السابقة، ورأي أنّ الحياة السياسية منذ 56 وحتى الآن وخلال فترة الإنقاذ لم يحصل استقرارٌ بالكامل في البلاد، حيث كانت هنالك محاولات من هُنا وهُنالك لإثارة الساحة السياسية, وبالتالي القانون لا يقود إلى وجود استقرارٍ سياسي بالبلاد أو اقتصادي أو التفاف حول فكرةٍ واحدةٍ، ولذلك لا بد للجميع أن ينسوا كل الخلافات والإقبال لعهدٍ جديدٍ، خَاصّةً إذا كانت شعاراتها “حرية.. عدالة وسلام”, أما اذا كانت مُجرّد شعارات زائفة جوفاء ومزيداً من الممارسات، أعتقد بعدم حدوث استقرار سياسي بالبلاد.

بدائل أخرى

ويبدو أنّ البدائل عند أيِّ شخصٍ يتم إقصاؤه أصبحت من العَوامل المُهمّة في العمل السِّياسي، فإنّ منسوبي المؤتمر الوطني طبقاً للتجاني – ينظرون في القرار بأنه ليس حزباً سياسياً فقط، وإنما انتماء لفكرة وأنّ الانتماء للتنظيم ليس للسلطة، وإنما من أجل فكرة، والفكرة لا تُحاصر ولا يُمكن استبدالها بأُخرى ويُمكن استئصال الاسم والدار، ولكن الفكرة لا يُمكن أن تُستأصل، بل ستظل تنتقل من جيلٍ إلى جيلٍ، وبما أنّها موجودة سيكون هنالك عددٌ كبيرٌ من المُواطنين يَحملون تلك الفكرة، وهؤلاء مُواطنون سُودانيون لديهم امتداداتهم الاجتماعية والأخلاقية والثقافية، خاصّةً أنّه حتى الآن لم نصل لمرحلة البناء الوطني الكامل، بالتالي الاختلالات السياسية تُساعد في عدم الاستقرار السياسي، ولكن هو عنوان للمرحلة المُقبلة في ظل وجود مثل هذه القوانين.

البيان بالعمل

ويرى التجاني أنّ الشعب السوداني لا ينظر لمثل هذه القوانين، والشعب عندما ثار على الإنقاذ كان بسبب الخُبز وقضايا اقتصادية ومثل هذه القضايا السياسية، الشعب لا يستطيع استيعابها ويحتاج بياناً بالعمل, وقال: صحيح أنّ هناك مجموعة من الأحزاب السياسية التي ركبت ظهر الثورة  يُمكن أن تحتفل بالقانون، ولكن الشعب السوداني الآن يُريد إنجازاً خطابياً ملموساً وأشياءً على الأرض، وهذا لا يجدها وفقاً للسيناريو الموجود.

تدابير مبيتة

ولخُصوصية الفترة، فإن الإصرار على تطبيق هذه التعديلات في القوانين لها ما يفسرها، ولذلك يرى التجاني أنه من الواضح من خلال الإصرار على أن تكون الفترة الانتقالية طويلة، يعني أن هنالك تدبيراً لأشياءٍ، والفترة الانتقالية يعني تهيئة البيئة السياسية لاستقبال فترة الديمقراطية والانتخابات، هذه القوانين لا تُساعد في تهيئة البيئة السياسية لمرحلةٍ قادمةٍ، وبالتالي إصدار قوانين لمُصادرة وحظر المُنظّمات وغيرها تعني أن الفترة حادة عن مسارها وأهدافها لتصبح فترة انتقام لا تقود البلاد الى الشاطئ التي يُراد لها الجميع.

إجازة القانون

وكان عُضو تنسيقية قِوى إعلان الحرية والتغيير محمد حسن عربي، قال إن حل حزب المؤتمر الوطني سيتم عبر قانون تحت مُسمّى (تفكيك نظام الإنقاذ)، وتوقّع عربي في تصريحاتٍ إجازة القانون في أول اجتماع بين المجلس السيادي ومجلس الوزراء.

مقالات ذات صلة

إغلاق