مُحاكمة البشير.. تفاصيل جلسة مُهمّة

 

المُراجع العام يقر بوجود حسابٍ خاصٍ لرئاسة الجمهورية لم يُخضع للمُراجعة تاريخياً

المحكمة تُحدِّد موعداً للنطق بالحكم في القضية

إغلاق قضية الدفاع بعد سماع المُراجع العام

الخرطوم: أم سلمة العشا

بَدَا وَاضِحَاً عدم رضاء هيئة الدفاع في قضية الرئيس السابق عمر البشير، التي يُواجه فيها تُهماً بالثراء الحرام والمال المشبوه، والتّعامُل بالنقد الأجنبي غير المشروع، بقرارات المحكمة، والتي ساقت القضية وفقاً لاستدلال النصوص القانونية من القاضي المُكلّف بالقضية د. الصادق عبد الرحمن الفكي، بإغلاق قضية الدفاع بصورة نهائية غير مُتوقّعة، وبالتالي أسدلت المحكمة الستار على مُداولات استمرت نحو (13) جلسة بعد استيفاء مراحل التقاضي، بسماع قضيتي الاتّهام والدفاع، وحَدّدت المحكمة جلسات لتقديم مُرافعات الاتهام والدفاع الختامية، وقطعت بأنّ الجلسة الأخيرة للنطق بالحكم في القضية التي شغلت الرأي العام المحلي والعالمي، وتناقلتها وسائل الإعلام العالمية والمحلية، كأول سابقةٍ لمُحاكمة رئيس سابقٍ بالبلاد.

تفاصيل مُثيرة

لم تكن الجلسة على عادتها، فهي ذات طابعٍ مُختلفٍ، تشير لنهايات قضية الدفاع رغم أنفه، بعد أن نفد صبر هيئة الاتّهام من الطلبات المُتكرِّرة لممثل الدفاع هاشم أبو بكر الجعلي، بمنحه فُرصاً جديدة، وتمسُّكه بإعلان المُتّهم الهارب طارق سر الختم مدير شركة “سين” للغلال، المُتّهم بالاشتراك مع البشير في التّعامُل بالنقد الأجنبي أو من ينوب عنه من الشركة للإدلاء بشهادته، كما رفضت كل طلبات الدفاع بإجراء مُعاينة لموقع ضبط المبالغ موضوع الدعوى ببيت الضيافة، بجانب طلبٍ آخر بإعداد المراجع العام تقريراً خَاصّاً بمُراجعة مُستندات الدفاع المُتعلِّقة بأوجه صرف المَبلغ للجهات التي ذكرها المُتّهم، فيما قَبِلَ القاضي إيداع إيصالات من البنك كمُرفقاتٍ لمُستند الدفاع رقم (2) المُتعلِّق باستلام مَنظومة التصنيع الحربي مبلغ (1.2) مليون يورو دعماً من البشير، ليأتي قرار المحكمة صارماً برفضها لطلبات الدفاع وإغلاق قضيته، بعد سماع المُراجع القومي الطاهر عبد القيوم كـآخر شاهد دفاع.

مسائل أمنية وسيادية

إقرار المُراجع العام الطاهر عبد القيوم، في جلسة المحكمة بمباني معهد التدريب القضائي أمس، حَول وُجُود حِسابٍ خَاصٍ برئاسة الجَمهورية، ظلّ بمثابة مَحكٍ رئيسي لكل جلسات المُحاكمة بين هيئتي الاتّهام والدفاع، كلٌّ يُحاول إثباته حسب رؤيته، غير أنّ المُراجع، باعتباره الولي على المال العام، أكّد بكلِّ شفافيةٍ ووضوحٍ أن الحساب الخاص لم يُخضع للمُراجعة منذ إنشائه تاريخياً، وبرّر ذلك لارتباطه بمسائل أمنية وسيادية حسّاسة تتعلّق بعلاقات الدولة الخارجية.

بالرغم من مُثول المراجع العام أمام المحكمة كشاهد دفاع، لكنه أكد عدم علمه بمبلغ الـ(25) مليون دولار موضوع الدعوى، وأشار إلى أنّ قانون المُراجع ينص على إيداع المبالغ المذكورة ببنك السودان المركزي حال كانت معلومة المصدر، بينما تُتّخذ بشأنها إجراءات (غسيل وتبييض) للأموال من تحريز قانوني وتحقيق إذا كانت مَجهولة المَصدر، وأضاف: “أموال التبرُّعات من خارج المُوازنة تتم مُراجعتها عبر الوحدات التي تلقّتها” حتى لو كانت تبرُّعات شخصية، وأشار إلى أنّ الجهات المُستقلة بميزانية الرقم (1) تتم مُراجعتها وتُستثنى من قانون الإجراءات المالية والمُحاسبية من ضمنها رئاسة الجمهورية وديوان المُراجع القومي والسُّلطة القضائية والمحكمة الدستورية ووزارة العدل والنائب العَام، وقال إنّ الرقم (1) في الميزانية مَقصُودٌ منه مَنح مرونة أكثر للجهة الحُكومية للصرف والنقل، وإنّه يعني أن يتم التّصرُّف في حُدُود المُوازنة دُون الرُّجوع للبرلمان ورئاسة الجمهورية بالنسبة للديوان.

إجراءات وآليات

وواصل المُراجع، إفادته حول عدم مُراجعة الديوان مُستندات دفع بها ممثل الدفاع عن البشير تَتَعَلّق بتخصيص أموالٍ لقناة “طيبة”، ووزارة الدفاع وجامعة أفريقيا وعدد من الجهات الأُخرى، وقال إنه لم يطّلع على المُستندات مُطلقاً، وإن هنالك إجراءات وآليات مُعيّنة تُتّبع للمُراجعة، ولا يُمكن أن يدلي برأي حول صحة المُستندات من عدمها، فيما أشار إلى أنّ قناة “طيبة” لا تُخضع للمُراجعة، أما جامعة أفريقيا العالمية فكانت تُخضع للمراجعة والآن تتم مُراجعتها من قِبل مُراجع خارجي، وأكّد عدم وجود مُخالفات وتجاوُزات لحسابات رئاسة الجمهورية، لكنه كَشَفَ عن إجراء مُراجعة لحسابات رئاسة الجمهورية للعام 2018م تتم حالياً من قِبل فريق المُراجعة، وقال إنّ المبالغ المرصودة مَوضع البلاغ لم تَكتمل مُراجعتها حتى الآن، وأشار إلى اتخاذ إجراءات قانونية حال وُجدت بها مُخالفات.

وقال المُراجع، رداً على أسئلة الاتّهام، إنّ لرئاسة الجمهورية هيكلاً تنظيمياً ينتهي برئيس الجمهورية، وإنّ حساباتها تُخضع لإجراءات قانون الإجراءات المالية والمُحاسبية واللوائح وقانون المُراجعة، وفيما يتعلّق بالقُرُوض والمِنَح والهِبَات والهدايا الداخلية والخارجية التي تأتي بمُوجِب اتفاقيات وبروتوكولات تقع ضمن مسؤوليات وزارة المالية، وحتى يتم توريد المبلغ لا بُدّ من معرفة مصدر الأموال، وأكّد أنّ كل الجهات المُستقلة مالياً عُرضةٌ لقانون الإجراءات المالية والمُحاسبية، باستثناء البُنُود المَاليّة فَقط.

حسابٌ خاصٌ

وكشف المُراجع العام، عن حسابٍ خاصٍ برئاسة الجمهورية لم يُخضع للمُراجعة تاريخياً، أُسوةً بشركة سكر كنانة وسوداتل، وأوضح أن ديوان الحسابات تحت سُلطة وزير المالية في استلام مبالغ بالعُملة الأجنبية غير معلومة المصدر، وفي الغالب تأتي إشارة من الوزير، لأنّ ديوان الحسابات لا يستطيع التّعامُل معها مُباشرةً، وأشار إلى أن إجراء إيداع المبالغ فيه شقان؛ جُزءٌ يَتعلّق بديوان الحسابات، والآخر بالبنك المركزي والذي يتطلّب مَعرفة مصدر المَبالغ من العُملات الأجنبية، وأكد أنّ كل التصرُّفات المالية لرئيس الجمهورية السابق تتم مُراجعتها من خلال مُراجعة حسابات رئاسة الجمهورية، وكشف أن مصادر تمويله تتم عن طريق وزارة المالية، وأيِّ إيرادات وموارد أخرى يُوافق عليها رئيس الجمهورية وفق القانون، ويتم توريد الأموال للحساب الخاص، وأضاف: “إذا ما شعرنا أن هنالك تجاوُزاً في الميزانية، نرفع لرئاسة الجمهورية والمجلس الوطني لإجازتها”.

وقال المراجع، إن الأجهزة الأمنية والسيادية بما فيها وزارة الدفاع من ضمن الأجهزة الواردة في قانون ديوان المُراجعة القومي لدينا استحقاق مُراجعتها، وإنّ الديوان يقوم بإعداد تقارير مُراجعة عن الأجهزة كافة وتُرفع لرئاسة الجمهورية والمجلس الوطني حسب القانون تُراجع كل التفاصيل والتصرفات المالية ما لم يكن هنالك وضع أمني أو معلومات حسّاسة في سياق المُراجعة، وأحياناً نقف على ذلك، وإذا تطلب الأمر نرسل مُراجعاً على مُستوى أرفع لحساسية المعلومات والتقدير يتم بتنسيق بين الديوان والجهة التي تتم مُراجعتها، وقطع بأنه إذا كانت أموالاً خارج نطاق ميزانية رئاسة الجمهورية لا يكون للديوان علمٌ بها خارج المُوازنة، وقال حسب علمي هنالك مبالغ تحت يد رئيس الجمهورية.

تقديم طلبات

التمس ممثل الدفاع هاشم أبو بكر الجعلي، من المحكمة منحه إذناً لكتابة تقرير عن مُستندات الدفاع، وأشار إلى أنه يُعد استكمالاً لشهادته الشفاهية ولا يَتَعَارض ولا يُناقِض قرار المَحكمة بالسماح لديوان المُراجعة بمُراجعة العُهدة المالية التي كانت في حيازة مُوكله البشير، حتى يستفيد المُتّهم من هذه المُستندات والإجراءات في دفاعه.

في المُقابل، اعترض ممثل الاتهام ياسر بشير البخاري، على طلب الدفاع، وقال إنه التفافٌ حول قرار المحكمة السابق بمُراجعة المُستندات أثناء سير المُحاكمة، ولا يسنده قانونٌ ولا ينسجم مع النظام القانوني، خاصة أن معالم القضية أصبحت معلومة للكافة، ولا يمكن خلق بيِّنة جديدة، والتمس من المحكمة رفض الطلب.

قرار المحكمة

ورأت المحكمة، أنّه ومن خلال ما قدّم وما جاء في إفادات الرجل الأول بديوان المراجعة، أنّ المبلغ لم يتم توريده لأيٍّ من حسابات رئاسة الجمهورية، حيث أنّ المُتّهم نفسه أفاد بعدم وجود مرجعية للمبلغ بدولاب الدولة حتى تتم مُراجعة المُستندات، لأنها لا تتبع لرئاسة الجمهورية، وأكد أن المحكمة لا تنصر أيّاً من الخصوم، وعليه قرّرت المحكمة رفض طلب الدفاع ووجّهت باستمرار الإجراءات.

وقدم الدفاع، إيصالات واردة من البنك بإيداع مبلغ (1.2) مليون يورو لمنظومة الصافات القابضة، وطلب من المحكمة إيداعه كمرفق لمُستند دفاع رقم (2). واعترض الاتهام بسبب اختلاف تاريخ الإيصالات، وبرر الدفاع الاختلاف بأن الإيصال شهادة صادرة من البنك لتؤكد توريد المبلغ في الحساب المذكور، وقررت المحكمة قبول الإيصالات والتأشير عليها بالمحضر بإرفاقها مع مستند دفاع (2) وإرجاء قبولها لمرحلة وزن البيِّنات.

طلبٌ ثانٍ

تمسّك الدفاع بعدم إغلاق قضيته، وطالب المحكمة بمنحه فرصة لسماع طارق سر الختم كشاهد أخير، فيما قالت المحكمة إنّ الدفاع يعلم علم اليقين أنّ الشاهد أحد المُتّهمين الهاربين وجاء ذلك في ورقة الاتهام، ورغم ذلك صدر الإعلان وجاءت الإفادة بأن المذكور خارج السودان، وأضافت بأنها منحت الدفاع فرصة، لكنه فشل في الجلسات المُحدّدة ولم يستكمل الإجراءات وطلب إعلان المُراجع العام، لكنه لم يُعلن طارق، ورأت المحكمة أنّ الدفاع أخذ كل الفُرص التي من شأنها تحقيق العدالة، وقرّرت رفض الطلب وإغلاق قضية الدفاع، وحدّدت جلسة 24 نوفمبر الحالي لإيداع مُرافعة الاتهام الختامية، وجلسة 8 ديسمبر لمُرافعة الدفاع الختامية، وأعلنت عن جلسة خاتمة للنطق بالقرار في ديسمبر المُقبل.

مقالات ذات صلة

إغلاق