سد النهضة.. حروب مائية بأسلحة سياسية

أثيوبيا والسودان اتبعا منهجاً بنّاءً وشاملاً بينما ظل الجانب المصري متمترساً في موقفه 

خبير استراتيجي: مصر ظلت ترفع كرت التدخل العسكرى منذ أيام السادات ولكنها لم تفعل ولن تفعل

خبير سياسي: التصريحات المصرية باستخدام الحلول العسكرية، حال التعنت الإثيوبي أسلوب للتهديد ليس إلا

بروفسير الساعوري: الخطورة تأتي من استخدام إثيوبيا المياه سلاحاً إستراتيجياً ضد مصر والسودان مستقبلاً

أحمد المفتي: حصر التفاوض في الإطار الفني سيُحرم السودان ومصر من حقوقهما المائية

الخرطوم: إنصاف العوض
يجد السودان نفسه في وضع فريد من نوعه، وهو يخوض معركة سد النهضة مع أشقائه وحلفائه وجيرانه في كل من مصر وإثيوبيا، فمن ناحية السودان كدولة مصب على النيل الأزرق يشارك مصر في إمدادات المياه، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى الطاقة التي سيولدها السد الذى يقام على النيل الازرق الذي يمتد من إثيوبيا حتى السودان، حيث يلتقي بالنيل الأبيض ليشكلا نهر النيل الذي يتدفق إلى مصر.
وبالرغم من أن مصر وإثيوبيا والسودان وقعت “إعلان مبادئ” في عام 2015 كأساس للمفاوضات، لكنها لم تفعل الكثير لتخفيف حدة التوتر بشأن المشروع الذي أعلنته إثيوبيا في عام 2011م، وبينما تريد مصر ضمان إمدادات ثابتة من المياه لمواطنيها البالغ عددهم 100 مليون نسمة، فإن إثيوبيا مصممة على تزويد منازل أكثر من 100 مليون مواطن بالطاقة، يكمل السودان مثلث الأمم التي وصلت إلى طريق مسدود حاليًا بسبب بناء سد على نهر النيل.
مؤخرًا بعد أن رفضت إثيوبيا اقتراح مصر بإشراك وسيط دولي، في أعقاب الجمود في المناقشات التي دارت حول المدة التي ينبغي أن يستغرقها ملء السد وغيرها من الأسئلة الفنية حول تأثير ذلك على بلدان المصب.

 ومن ناحية أخرى، تصر إثيوبيا، التي لم تكن مستعمرة على الإطلاق، على أن الاحتياجات المائية لدول المصب مصر والسودان تم بحثها في المواصفات الفنية لبناء السد ورفضها لاقتراح مصر، القائم على تخصيص المياه بناء على الحقبة الاستعمارية التي منحت مصر حق النقض ضد أي مشروع في مجرى النيل.

سلاح إستراتيجي 

وبالرغم من استبعاد احتمال اللجوء للمواجهة للعسكرية بين الشركاء الثلاثة، تظل الحرب السياسية سجالاً حتى تصل الأطراف إلى صيغة مرضية تراعي مصالحهم وتحفظ حقوقهم.

 وفي ذات السياق، حذر خبير إستراتيجي في مجال المياه من خطورة استخدام إثيوبيا المياه كسلاح استراتيجي ضد كل من مصر والسودان من خلال سد النهضة بعد رفض الدولتين المشاركة في تكلفة إنشاء السد.

 وقال البروفسير حسن الساعوري لـ(الصيحة): الخطورة في إنشاء السد مستقبلاً تأتي من ان تستخدم أثيوبيا المياه كسلاح استراتيجي ضد كل من مصر والسودان، والحل قدمته أثيوبيا ورفضته مصر، حيث طلبت أديس أبابا أن تتم تكلفة السد مشاركة بين الدول الثلاث، ورفضت مصر وجاملها السودان، واستبعد الساعوري لجوء مصر للحل العسكري واصفًا إياها بالتهديدات المستهلكة، مضيفاً أن مصر ظلت ترفع كرت التدخل العسكري منذ أيام السادات ولكنها لم تفعل ولن تفعل. 

وأضاف: مصر (كضابة) لأنها لو أرادت إيقاف السد وتعلم أنها قادرة على ذلك لفعلت قبل الشروع في بناء السد، وليس بعد أن ينتهى إنشاؤه كما أن مصر رفضت التوقيع على اتفاقية قانون 1979 الذي ينظم الاستفادة من مياه الحوض الواحد.

 وأضاف: حل التدخل العسكري مستحيل، لأنه يعني أن يتم ضرب السد، وفي حال حدث ذلك فإن الجزيرة وحتى ولاية الخرطوم سيغرقان ويفقد ملايين الأشخاص منازلهم وأرواحهم ومزارعهم وممتلكاتهم .

أمر واقع

وقلل الساعوري من أهمية تأثير طلب مصر وسيط رابع أو حتى تقديم شكاوى للمجتمع الدولي، قائلاً: على مصر أن تتعامل بسياسة الأمر الواقع،  لأنه حتى في حال تقدمت بشكوى إلى الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوربي أو حتى الولايات المتحدة الأمريكية فإنهم سيطالبونها بالاحتكام للقانون الدولي للعام 1979، وعليه فإن على مصر أن تلتزم الصمت أو تواصل التفاوض مع أديس أبابا، وحتى في حال تدخل وسيط رابع كما طالبت مصر، فإنه سيعمل على ضمان توفير حصة مصر البالغة 54 مليار متر مكعب والسودان عندما حسب المياه التي تذهب إلى مصر بعد إنشاء سد مروي وجدها 115 مليار متر مكعب، والعقبة التي تواجه الإثيوبيين وتجعلهم على عجلة من أمرهم لملء بحيرة السد هى أنه غير قادر على إنتاج الكهرباء إلا بعد الامتلاء الكلي للبحيرة والبالغ 74 مليار متر مكعب، وهو أكثر من حجم مياه النيل الأزرق في العام، وهو ما يحتاج لفترة طويلة لملئه، لكن ليست عشر سنوات التي تطالب بها مصر.

حماية إسرائيلية

وفي ذات السياق، استبعد خبير سياسي ـ فضل حجب هويته لـ(الصحيفة) ـ استخدام مصر الحلول العسكرية، وقال: تصريحات مصر باللجوء لكافة الخيارات حال تعنت أثيوبيا في مواقفها ما هو إلا أسلوب للتهديد ليس إلا، ذلك أن الحل العسكري سيعرضها للعقوبات والعزلة الدولية خاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر أثيوبيا حليفاً مقرباً لإسرائيل، كما أن ذلك سيدفع إسرائيل للعمل على دعم وحماية السد من خلال إرسال أسلحة وتكنلوجيا متطورة لمراقبة السد وحمايته، كما فعلت روسيا حينما عملت على حماية السد العالي في مصر.

واستبعد المصدر استهداف مصر للسد من خلال دولة جنوب السودان أو مقايضة إكمال السد من خلال السماح لمصر بإكمال مشروع قناة جونقلي، وقال إن دولة الجنوب لديها مصالح وعلاقات متشابكة مع أثيوبيا لا تستطيع أن تضحي بها من خلال دعم هجوم مباشر على السد من أراضيها كما أنها عاجزة عن المقايضة بالقناة كونها ستجد رفضاً قاطعاً من قبل المعارضة، خاصة أن أول الهجمات إبان اندلاع العنف فى السودان عام 1983 من قبل الجييش الشعبي بقيادة الدكتور جون قرنق على قناة جونقلي.

مسار فني

وأرجع الخبير طلب مصر وسيطاً رابعاً يرجع إلى رغبتها في وجود وسيط دولي مؤثر مثل الولايات المتحدة الأمريكية أو إحدى الدول الغربية المؤثرة، لأنه في حال تعاطف الوسيط مع مصر، فإن أثيوبيا ستفقد الدعم الدولي، ومن ثم ستترتب عليه مقررات تدعم الموقف المصري ولا يمكن لمصر الاعتماد على السودان للضغط على أديس أبابا لأنه لا يملك أوراق ضغط عليها وليس له دور مؤثر في المجتمع الدولي، كما أن مصالح السودان ليست بالضرورة أن تتوافق مع مصالح مصر، وكثيراً ما اتهمت السودان بالتماهي مع الموقف الأثيوبي.

فيما انتقد الخبير المائي الدولي أحمد المفتي مسار التفاوض بين الدول الثلاث الذي يأخذ طابعاً فنياً، معتبرًا ذلك دعماً للموقف الإثيوبي، قائلاً: هذا ما جعلها تختار المسار الفني الهندسي إطارًا للتفاوض، لأن هذا الخيار يمنحها المجال لخيارات فنية مختلفة بالمقابل، لأنها تعلم أن موقفها القانوني ضعيف جداً، وعليه يجب أن يكون مسار التفاوض قانونياً وليس فنياً، كما أن حصر التفاوض في الإطار الفني سيحرم السودان ومصر من حقوقهما المائية. 

التزامات إثيوبية 

والتزمت أثيوبيا بموقفها إزاء تعزيز الحوار الفني الثلاثي فيما يتعلق بملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، وقالت السفارة الإثيوبية في الخرطوم إن الحكومة الإثيوبية مقتنعة باستمرار التشاور الفني، حيث تقدم أديس أبابا الخيار الوحيد لتجاوز الخلافات بين الدول الثلاث فيما يتعلق بملء وتشغيل سد النهضة.

ورغم أن المقترح الثلاثي حول الجوانب الفنية لملء وتشغيل السد، والذي قدمته الحكومة المصرية قد تجنب إجراءات عمل فريق البحث العلمي، فقد وجه وزراء المياه في اجتماعهم بالقاهرة بتحليل خطة إثيوبيا لملء السد وتشغيله، كما وجه ذلك الاجتماع بمناقشة وتحليل مقترحي السودان ومصر للغرض نفسه. واستنادًا على التوجيه الذي خرج به ذلك الاجتماع الذي انعقد في القاهرة قام فريق البحث العلمي بدراسة خطة إثيوبيا لملء وتشغيل السد كما درس الفريق مقترحي السودان ومصر واستندت مداولات فريق البحث العلمي على الخلاصة التي تبناها الاتفاق بين فرق الدول الثلاث. 

وقد توصل الفريق إلى اتفاق على بعض النقاط بينما ظلت قضايا أخرى معلقة، وهذه النقاط المختلف حولها يمكن حلها بعقد فريق البحث العلمى لمزيد من التشاور والتداول.

وخطة إثيوبيا الخاصة بملء السد، والتي من المقرر اكتمالها على مراحل تمتد من أربع  سنوات إلى سبع سنوات استناداً على هايدرولوجيا المنطقة تراعي مصالح دول المصب، علاوة على ذلك، فقد اتبعت إثيوبيا والسودان منهجاً بناءً وشاملاً تجاه مشاورات ومداولات فريق البحث العلمي، بينما ظل الجانب المصرى متمرساً في موقفه. 

مكاسب اقتصادية

فيما قطع السفير الأثيوبى بالخرطوم شفراو جارسو تدتشا بعدم وجود مخاطر على مصر والسودان من السد، بل أكد جملة مكاسب اقتصادية يجنيانها من إنشاء السد، وقال في حوار مع الصحيفة إن المفاوضات حول مياه النيل بدأت قبل سد النهضة واستمرت بعد ذلك، وسد النهضة الآن في السنة الثامنة، وشارفنا على الانتهاء منه وتخطينا كل العقبات بناء على المواصفات التي لا تلحق أضراراً بدول المصب في السودان أو مصر، وفي النهاية النقطة التي توقفنا عندها هي سنوات ملء الخزان وتم تشكيل لجان من الدول الثلاث، وتمت دارسة الموضوع، وفي سبتمبر 2018 كان هناك اجتماع كبير على مستوى رئاسة الوزراء ولم يوقع المصريون على مخرجاته، وسد النهضة ساعد السودان على إنشاء سد أعالي نهر عطبرة وستيت، ولولاه لكان هذا المشروع مستحيلاً، لأنه ضمن استمرار انسياب المياه طوال العام، ولو عرف السودانيون أهمية سد النهضة لهم لدفعوا معنا أكثر من نصف التكاليف، فهو يحل مشاكل الزراعة والرعي والكهرباء وغيرها في البلدين، وعلى الشعب السوداني أن يدرك فوائد سد النهضة حتى على مستوى السياحة، فمثلاً الآن السودان لا يستطيع أن يستفيد من منطقة ملتقى النيلين أو المقرن بسبب عدم انتظام فيضان النيل مما يهدد المنشآت السياحية فيها، ونجد المصريين الآن يستفيدون من السياحة، كما يجب أن ندرك أن 60% من مياه النيل الأبيض لا تأتي من اوغندا من بحيرة فكتوريا بل من نهر البارو الذي يأتي من إثيوبيا. 

تهدئة مصرية

وجاءت تهنئة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لشقيقه رئيس الوزراء الأثيوبى أبي أحمد بفوزه بجائزة نوبل للسلام برداً وسلاماً على نيران الخصومة السياسية المتزايدة بين الدولتين إثر وصول مفاوضات سد النهضة إلى طريق مسدود في الخرطوم. وقال الرئيس المصري، عبر حسابه على فيسبوك: “أتقدم بخالص التهانئ لرئيس الوزراء الإثيوبي وللشعب الإثيوبي الشقيق لحصول السيد أبي أحمد رئيس وزراء أثيوبيا على جائزة نوبل للسلام.

 وقطع السيسي عبر رسالته الرقيقة الطريق أمام كافة التكهنات القائلة بلجوء مصر إلى خيار المواجهات العسكرية، مؤكداً مقدرة الشعوب الأفريقية على حل خلافاتهات ودياً، وداخل السياج الأسمر حين  أضاف: “فوز جديد لقارتنا السمراء الطامحة دوماً للسلام والساعية لتحقيق الاستقرار والتنمية، وأتمنى أن تستمر جهودنا البناءة الرامية لإنهاء كافة الصراعات والخلافات في القارة الأفريقية بإرادة من أبنائها وشعوبها العظيمة.

وعلى الرغم من أن السيسي أكد، في وقت سابق أن مصر ستتخذ كل الإجراءات لحماية حقوقها في مياه النيل، وذلك بعد إعلان السلطات المصرية عن وصول المفاوضات التي تجريها مع إثيوبيا والسودان حول سد النهضة إلى طريق مسدود ومطالبتها بمشاركة وسيط دولي.

قالت الرئاسة المصرية إن الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، أكدا في اتصال هاتفي بينهما أمس على أهمية تجاوز أي معوقات بشأن مفاوضات (سد النهضة)، سعياً للتوصل إلى اتفاق يحقق آمال وتطلعات شعوب الدول الثلاث؛ مصر والسودان وإثيوبيا، وفي إطار إعلان المبادئ الموقع بينها، وأكدت الرئاسة أنه تم خلال الاتصال، التوافق على التطلع نحو دعم الجوانب المتعددة للعلاقات الثنائية بين مصر وإثيوبيا.

اصطفاف دولي

وفي الوقت الذي اجتمعت فيه الآراء على استحالة لجوء مصر للحل العسكري،  يرى د. محمد حسين أستاذ العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة أن مصر تمتلك عدة أوراق يمكن اللجوء إليها كبديل عن المفاوضات الفاشلة كي تقبل إثيوبيا بإطالة فترة ملء خزان سد النهضة من سبع إلى عشر سنوات، مع الحفاظ على مستوى المياه بسد أسوان عند 165 متراً فوق سطح الأرض. 

وأشار إلى خيار تدويل القضية بنقل ملف السد إلى مجلس الأمن الدولي، مؤمناً على أهمية تنسيق مصر أولاً مع الاتحاد الأفريقي لتضمن دعم الدول الأعضاء، وكذلك التواصل مع الكويت العضو العربي الوحيد بمجلس الأمن الآن. 

ولفت حسين إلى ضرورة أن تتواصل مصر مع كل الدول صاحبة العضويات الدائمة بالمجلس، تفادياً لاستخدام حق النقض (الفيتو) على محاولة إحالة القضية لمحكمة العدل الدولية، حيث تستند القاهرة إلى نص القوانين الدولية التي تمنع بناء أي منشأة تؤدي لتأخير وصول المياه أو إنقاصها من دون موافقة دولة المصب. 

وأكد أن نجاح هذه الخطوة يتطلب بذل مصر جهوداً دبلوماسية كبيرة لشرح رؤيتها للأزمة، وإقناع الدول المختلفة خاصة أعضاء مجلس الأمن بعدالتها، وكذلك واقعية مطالبها في مياه النيل الذي يعد شريان الحياة، خاصة أن مبادئ القانون الدولي تتيح للدول الواقعة على ضفاف الأنهار الدولية الاستفادة من مواردها المائية دون الإضرار بمصالح وحقوق الأطراف الأخرى.

وساطة أمريكية

بدوره يشير د. عادل العدوي أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأميركية إلى خيار آخر أمام المصريين يتمثل في دعوة طرف رابع وسيط في المفاوضات مع السودان وإثيوبيا، وهو ما فعله الرئيس بدعوة الولايات المتحدة للتدخل. 

بالرغم من ربطه نجاح الدور الأميركي برغبة جادة من إدارتها في التدخل، كونها قادرة على التأثير على الجانب الإثيوبي وكل الأطراف، وتضغط باتجاه حلول تحقق الحد الأدنى لمطالب الدول الثلاث. 

ويرى العدوي أن مصر قادرة على ممارسة الضغط على إثيوبيا عن طريق دول الخليج القريبة من القاهرة مثل السعودية والإمارات اللتين تمتلكان استثمارات كبيرة هناك، ولكن ذلك أيضًا يتوقف على رغبة الدولتين في الضغط بالتهديد بسحب تلك الاستثمارات. ولكن د. العدوي استبعد فكرة التهديد لأسباب كثيرة. 

مشدداً على ضرورة اللجوء للوساطات المتعددة لحل الخلافات مثل اللجوء لهيئات ومنظمات دولية محايدة مثل البنك الدولي والمؤسسات الدولية والاستعانة ببعض الخبراء الدوليين في هذا المضمار، وفى حال استمر الخلاف يتم اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، ومجلس الأمن والأمم المتحدة.

مقالات ذات صلة

إغلاق