هل يُعيد التاريخ نفسه؟

أول ما (شمّ) السودانيون دعاش الحرية وهبَّ نسيم الاستقلال، حتى هبّت الخلافات السياسية. ومؤتمر باندونق بأندونيسيا عام ١٩٥٥ أول ما كشف هذا الاختلال السياسي والحقد الحزبي، إذ ذهب وفدان سودانيان كلٌّ يمثل مرجعيته. الزعيم الأزهري من جهة، ومحمد أحمد محجوب من جهة أخرى.

 لا شك أن الأمر أصبح أضحوكة مُزعجة وترتيبات بروتوكولية وأمنية مقيتة للدولة المضيفة. كيف لدولة واحدة يمثلها وفدان. وتمر الليالي مثقلات يلدن كل عجيب. فبعد أكثر من عشر سنوات يلتقي الصديقان (اللدودان) الأمة والاتحادي، وبنفس الشخصيات إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة، ومحمد أحمد المحجوب رئيس الوزراء ليختلفا مرة أخرى في من يمثل السودان خارجياً، وهكذا يضيعان فرصاً يمكن أن تساعد وضع بلدهما اقتصادياً إذا أحس العالم من حولهما أنهما على قلب شخص واحد. ولم تطل بهما مدة الحكم. فجاء الشيوعيون المطرودون من البرلمان بانقلابهم عام ١٩٦٩ ليكون الأول  سجيناً قتيلاً، والآخر طريداً في مرافئ الغربة. بالأمس ذهب كلٌّ من رئيس مجلس السيادة ورئيس مجلس الوزراء مع بعضهما البعض لدولة خارجية في وقت واحد، لم أجد أي تفسير لهذه الحميمية التي تجعلهما لا ينفكان أن يغادرا في ركب واحد للخارج! هل هو استدعاء؟ هل هو اجتماع مشترك كلٌّ يشرح وجهة نظره وبرنامجه مع أن الدولة واحدة؟ أم إن الدعوة كانت لواحد والآخر (اتشعلق) في كتف صاحبه؟ مع أن الظروف الموضوعية لا تسمح لهما بالمغادرة سوياً في وقت واحد. أولاً، هذا التصرف ليس عرفاً دبلوماسياً بين الدول، ولا هيكلياً ولا عرفياً داخلياً. ثانياً لا البرهان له نائب يخلفه في قومه، ولا حمدوك له نائب يخلفه في وزارته. يعني البلد بغياب هذين الشخصين قاعدة (أم…..) كان يمكن لأي ضابط صغير مغامر أن يعملها كما عملها كثيرون استغلوا مثل هذا الغياب الذي ترك فراغاً دستورياً. بالله كيف الشعور أمام السعوديين عندما يشاهدون هذا المنظر. 

أخي حمدوك أنصحك أن تهبط في تراب الله الدايم دا، لتتعرف على شعبك عن قُرب، وكيف يفكر وللمعاناة كيف تدحرها ولاجتثاثها تقدر وتدبر. صدقني لو ركّزت على قيمك ومرتكزاتك ومدخراتك الداخلية أرى أنها  أفضل لك ألف مرة من (الحوامة) في الخارج حتى ولو قلت أحسن الكلام لا يعطونك غير أفضل أنواع الاستماع. ركّز على سياستك الداخلية. حاسِب المفسدين بشدة واقفل حنفية الفساد، ضع برنامجاً ضريبياً شاملاً حاصِر فيه الذين يتهرّبون من الضرائب وما أكثرهم، سن قوانين رادعة. في الحبشة القريبة دي المتهرب من الضرائب يُعدم. كثِّف الورش والكورسات في تحسين الخدمة المدنية إدارياً. السودان لا تنقصه الكفاءات، عندنا مهندسون وأطباء ومهنيون وضباط عظام وعمال وغيرهم. لكن تنقصنا الإدارة الإدارة الإدارة. الناس تستهين بالإدارة لعمري هي أهم وظيفة ثم تأتي تحتها أي تخصصات أخرى مهما عظُمت. ركّز أخي حمدوك على إنتاجك الزراعي الجيّد هذا العام مهمتك كيف تسوقه في الخارج. وأن جميع سفاراتك التي كانت معبداً يحج إليه مرتزقة النظام السابق، وجعلوها أوكاراً يتصيّدون فيها المُعارضين ويدبجون فيها التقارير الكذوبة للإضرار بالآخرين اجعلها أخي حمدوك دكاكين تعرض منتجاتنا حتى نجد من يستورد خيراتنا. أما وزارة التجارة فاضبط فقط ملف الصادر واعرف كم هو العائد يومياً، اجعلها مثل دفتر اليوميات. أصبر في بلدك واصمد في سعيك واقضِ حوائجك بالكتمان. والله يجوا لعندك. هل تعلم أخي حمدوك أن المرحوم حافظ الأسد مكث في حكم بلاده حوالي الثلاثين عاماً لم يخرج من بلاده أبداً إلا مرات قليلة لحضور مؤتمرات، وكان لا يحضرها كلها يكلف لها. مات هذا الرجل وترك بلده مكتفية ذاتياً ومن أنظف البلاد ومكدسة بأحدث ترسانات الأسلحة. بل لم تكن مَدينة بقرش واحد من الخارج. اترك العلاقات العامة بين الدول لمجلس السيادة …وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله.

د. محمد عيسى عليو

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق