رئيس القضاء والنائب العام !

قبل ثلاثة أيام كتبنا حول قرار السيد رئيس الوزراء بتشكيل لجنة تحقيق في أحداث فض الاعتصام، وكيف أن قطاعاً واسعاً من المعسكر “القحتاوي” انتقد قرار حمدوك حيث رأوا أنه كان عليه تسمية القاضي بالاسم وكذلك ممثلي القوات النظامية ! وهو – كما أشرنا – رأي وطلب غريب يفتقر لأبسط أبجديات النظام الإداري، إذ لا يُعقل ولا يستقيم أن ينوبَ أحدٌ عن السيد رئيس القضاء أو السيد وزير الدفاع أو السيد وزير الداخلية أو السيد مدير عام جهاز المخابرات في تسمية ممثل مؤسسته في لجنة التحقيق المذكورة!

وقلنا أن الذين يقولون بذلك الرأي “الشاطح” ينطلقون من منطلقات سياسية بحتة إذ يفصحون عن عدم ثقتهم في السادة رئيس القضاء، وزير الدفاع، وزير الداخلية ومدير عام جهاز المخابرات السوداني، ويريدون ممثلين لتلك الجهات بمواصفات سياسية وليست مهنية، أي أن على مولانا رئيس القضاء أن “ينتقي” لهم قاضياً بمواصفات تروقهم وهكذا يفعل وزيرا الدفاع والداخلية ومدير المخابرات العامة! أيُّ منطقٍ هذا ؟! هل يبحثون عن عدالة انتقائية أم حقيقية؟

بالأمس انعقد اجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء بحث موضوع الوثيقة الدستورية التي لم تُنشر رسمياً حتى اليوم والجدل الكثيف الدائر حولها! واعتمد المجلس الوثيقة بما فيها حق مجلس السيادة في تعيين رئيس القضاء والنائب العام! ولعلها خطوة للأمام قد تُخرجنا من هذا النفق المظلم، لكن يبقى السؤال: كيف يطمئن المواطن للقضاء ومؤسسات العدالة وسط هذا الإصرار “القحتاوي” على تعيين فلان واستبعاد علان من رئاسة القضاء والنائب العام؟

هل من المصلحة العامة والعدالة أن يكون المعيار الرئيسي والأساسي في تعيين السيد رئيس القضاء والسيد النائب العام أن يكون مؤمناً وملتزماً بميثاق “قحت” وهي كيان سياسي؟ كم هي نسبة المؤمنين بميثاق “قحت” والمُوقعين عليه من جملة الشعب السوداني؟ 5%؟ 10% ؟ 30%؟ ولنفترض لهم أي نسبة .. أين حق النسبة المتبقية؟ وكيف تتحقق العدالة إذا كان المتهم سيقف أمام قضاء تقف على رأسه ناشطة سياسية صارخة تشارك في التظاهرات وترفع اللافتات وتهتف بالشعارات السياسية عالية التصنيف؟ 

هل عندما تم تعيين السادة مولانا جلال علي لطفي، عبيد حاج علي، حافظ الشيخ الزاكي، جلال الدين محمد عثمان، محمد حمد أبو سن، حيدر دفع الله، عبد المجيد إدريس ومولانا عباس علي بابكر رؤساء للقضاء هل كان المعيار سياسياً؟ حتى مولانا حافظ الشيخ الزاكي عليه رحمة الله الذي كان أحد مرشحي الجبهة الإسلامية في دوائر الخريجين هل كان معيار اختياره هو انتماؤه السياسي؟ وهل بدر منه أو ثبت عليه طيلة فترة ترؤسه للقضاء تصرفه أو تعامله بمعيار سياسي؟

لا نقول إنه ليس في مُكونِّات “قحت” أكفاء، لكن الذي نقوله إن المعايير المهنية لرئيس القضاء وللنائب العام ينبغي أن تعلو وتُقدَّم على أي معيار سياسي، والسمت والسلوك السياسي الشخصي لرئيس القضاء وللنائب العام مهم لتركيز ثقة الناس فيه واطمئنانهم لعدله وفصله وقضائه، واختيار ناشط سياسي في مثل هذه المناصب الحساسة يخالف روح ونصوص الدستور وسيقود حتماً إلى طعونٍ دستوريةٍ تتعلق بالأهلية ولا أظننا بحاجة لتلك المسارات .

العدالة قيمة إنسانية مُطلقة، والإيمان بها يقتضي تطبيقها بشفافية على أنفسنا قبل غيرنا، ويقتضي صونها والنأي بها عن التطبيق الانتقائي الذي قد يرتد علينا ولو بعد حين.

الرقم 0912392489 مخصص للرسائل فقط

مقالات ذات صلة

إغلاق