كلنا هذا الفتى ..!

“هنالك متواليتان تحكمان علاقة الحكومات بالمظاهرات: متوالية هندسية تربط المظاهرات المتفاقمة بالإنكار الدائم، وأخرى عددية تربط المصائب التنفيذية بفجور التصريحات” .. الكاتبة ..!

إليك الرواية السودانية أولاً، كما جاءت على لسان السيد “محيي الدين الزاكي” خال الشاب السوداني “وليد عبد الرحمن” الذي ألقت السلطات المصرية القبض عليه بتهمة ارتكاب أعمال مخالفة للقانون في مصر. توفي والد الشاب “وليد” وهو في الرابعة من عمره، فقام خاله بتربيته. معظم أفراد أسرة “وليد” هم من المغتربين، والمقيمون بالسودان لا يعرفون مواقع دور الأحزاب السودانية، وقد نشأ “وليد” في بيت جدته على ذات النحو الذي وجد عليه أفراد أسرته ..! 

كان “وليد” ولا يزال طالباً بجامعة “أم درمان الأهلية” يدرس بالمستوى الثالث في كلية الاقتصاد، قسم المحاسبة، وهو بشهادة أصدقائه وزملائه بالجامعة لم ينتم يوماً إلى أي تنظيم سياسي، لذلك فهو لا يملك ثقافة تؤهله لمعرفة الفروقات بين أطروحات الأحزاب والتنظيمات السياسية. لكنه رغم ذلك خرج طواعيةً إلى الشارع – شأنه شأن شباب كثر – لإسقاط حكم البشير. وقد تعرض للاعتقال مرتين في أثناء المظاهرات، وكان مع الشباب في اعتصام القيادة، وطالب أسرته بتأجيل سفره إلى مصر – لتجويد دراسته للغة الألمانية – إلى حين تنفيذ مطالب الشعب كاملةً ..! 

بعدها – ونظراً لاستمرار إغلاق الجامعات – قامت أسرته بإرساله إلى القاهرة في شهر أغسطس الماضي، واستأجرت له شقة بمنطقة “فيصل”، وقدمت له في معهد لدراسة اللغة الألمانية. وسافر هو إلى القاهرة في شهر أغسطس الماضي وبدأ الدراسة في منتصف شهر سبتمبر الجاري. وهكذا كانت الأمور تمضي في أمان الله إلى أن اندلعت بعض المظاهرات في مصر فشاهدت الأسرة صغيرها وهو يدلي باعترافات على شاشة الإعلام المصري، باعتباره متهماً بالمشاركة في ارتكاب جريمة ..! 

أما الرواية المصرية فقد خرج علينا فيها “عمرو أديب” وهو يؤكد – بمنتهى الاطمئنان والحماسة – أن الشاب ينتمي إلى تنظيم الإخوان المسلمين “الذي تظاهر هنا في السودان لإسقاط حكمه”. واتهمه صراحة بالجاسوسية والتخريب والعمل على قلب نظام الحكم. والدليل – بحسب منطقه – هو أنهم قد وجدوا في هاتفه النقال صورة  لبعض الضباط والعسكر الذين كانوا يقفون في الشارع العام ..!

أسرة وليد قالت إنها بصدد صياغة مذكرة لوزارة الخارجية والجهات ذات الصلة لتتولى أمر إطلاق سراح ابنها من السجون المصرية. وسفارة السودان بالقاهرة أصدرت بياناً قالت فيه إنها قد شرعت في الاتصال بوزارة الخارجية المصرية والجهات ذات الصلة للوقوف على الحادث والاطمئنان على أحوال المواطن السوداني المحتجز. وأكدت متابعتها اللصيقة للأمر في إطار مسؤولياتها عن رعاية وسلامة المواطنين السودانيين المقيمين بجمهورية مصر العربية. وتعهدت بإطلاع الرأي العام على التطورات والمستجدات الخاصة بالقضية ..! 

حالة القلق والإنكار التي تعيشها السلطات المصرية جراء المظاهرات لا تعني أن يصبح المقيمون كباش فداء لتعزيز رواية ركيكة، قوامها أنهم وراء المظاهرات غرباء ينتمون إلى تنظيم إرهابي يستهدف زعزعة أمن البلاد بتأجيج الاحتجاجات والتخطيط للمظاهرات. وإلا فبالله عليكم من يصدق أن شخصاً يتظاهر ضد حكم الإسلاميين في السودان يذهب إلى مصر ضمن مخطط لعودة ذات الإسلاميين إلى الحكم..؟! 

إلى أشقائنا في شمال الوادي: أطلقوا سراح الفتى، ويمكنم أن تقوموا بإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه – “برسونا نون قراتا” – على طريقة غضب الدول عندما تتحفظ على بقاء أحدهم داخل أراضيها. ولكن بالله عليكم كفوا عن استخدام هذه الوسائل غير الإنسانية، وغير الناضجة، في تنفيذ الحملات الإعلامية..! 

هذا الفتى هو السودان كله وهو في محنته هذه، والسودان كله هو هذا الفتى إلى حين إطلاق سراحه،  بهدوء، ودون أي أزيز دبلوماسي، أو هدير سياسي، أو ضجيج إعلامي. ولتعلموا أن سودان ما بعد الثورة لم يعد مشجباً لتعليق الأخطاء، بل سيفاً ودرعاً..!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق