الحجيج السوداني بين الأمس واليوم-(2)

عشت في المملكة العربية السعودية زمناً طويلاً امتد من العام 1977 حتى مشارف الألفية الجديدة, عليه فإننى أعتبر نفسي (شاهد عصر) أولاً على ما شهدته مراسم الحج من تطور، وهذا يشمل ما أدخلته سلطات المملكة العربية السعودية من خدمات متقدمة ومتجددة على المشاعر المقدسة عاماً بعد عام، وثانياً ما يعنيه (العنوان أعلاه): الحجيج السوداني بين الأمس واليوم. كانت الصورة (النمطية) للحجاج السودانيين هي تلك الصورة (العشوائية)، حيث الجلوس تحت الكباري وفي سفوح (جبال منى). صحيح أن تلك الفترة تميزت بنكهة سودانية خالصة, حيث كان حجاج الداخل يختلطون مع أهليهم من حجاج السودان ويسكنون في مني في خيمة واحدة رجالاً ونساء وتقوم النساء بصنع الأكلات السودانية مثل القراصة بملاح (التقلية) وحيث شاعت بينهم في ذلك الوقت عبارة (قهوة منى). ذلك أمر  ربما افتقده حجاج اليوم الذين سكنوا الفنادق الفخمة في أرقى أحياء العاصمة المقدسة, لكن الصحيح أيضاً أن ذلك الوضع لم يكن له أن يستمر في ضوء الخدمات والتنظيمات التي تطبقها السلطات السعودية. تم إسكاننا في فندق (بركة الأصيل) وكانت الخدمات ممتازة. مواعيد الوجبات محددة وهي تقدم في (مطعم) فخم في (البدروم). الطعام على الطريقة السودانية ابتداء من (شاي الصباح). الوجبة الرئيسية الغداء وهي وجبة متكاملة بها اللحوم والأسماك وحتى (الكسرة). وجبتا الأفطار والعشاء كذلك مع خصوصيتهما حيث يقدم فيهما الزبادي واللبن الرائب والعسل. أما عن الفاكهة كالتفاح والبرتقال و(الحلو) والعصائر فحدث ولا حرج. طاقم (السيرفيس) في المطعم بقيادة الأستاذ صادق عمارة مكون من مجموعة من الشبان والشابات السودانيين من أبناء العاملين في المملكة وهو أمر أضفى على الخدمة نوعاً من (الحميمية) السودانية. التقينا بالسيد علي الحدقنو أمير حجاج الخرطوم بمقر إقامته بالفندق، حيث قدم لنا شرحاً عن كيف تتم عملية اختيار الفنادق ومتعهدي الطعام والترحيل، وكيف يتم ذلك عبر مجموعة من المراحل والفحص والتدقيق حتى تأتي الصورة مرضية للمسئولين وللحجاج على حد سواء. أذكر أنني قلت له أرجو أن يكون الأمر كذلك بالنسبة لكل حجاج السودان. في اليوم التالي وعندما قدم لنا الأستاذ عمر مصطفى علي مدير الهيئة العامة للحج والعمرة تنويراً حول مجمل عمليات الحج, حينها وجدت إجابة على تساؤلي أمام أمير حجاج الخرطوم. من تساؤلات السودانيين سواء الحجاج منهم أم هنا عبر وسائل التواصل وفي المنتديات هو ما يسمى بارتفاع تكاليف الحج. ليس هنالك ارتفاع (ولا يحزنون), كل ما هنالك هو تدهور العملة السودانية وهو أمر يحسه المواطن في الأسعار الجنونية. بالعكس بالنسبة للحجاج فإن المسئولين يبذلون مجهودات جبارة من أجل تخفيف تكاليف الحج. المسئولون عن البعثة كانوا في قمة النشاط والجهوزية وتجدهم عند الحاجة وهواتفهم متاحة (24 ساعة). هم يقدمون خدماتهم ليس من كونهم (موظفين) بل من منطلق أنهم يخدمون ضيوف الرحمن وهذا شرف اختصهم الله به من بين سائر عباده، وهو أمر لولا أني أعلم أنه لا حسد في عبادة الله, لحسدتهم عليه. تقبل الله منا ومنهم والقابلة على منى.

مقالات ذات صلة

إغلاق