يوسف عبد المنان.. وزنازين علب الاسمنت..!!

عذراً اليوم سأحكي قصة رجل المدن عنده عبارة عن سجون اسمنتية ضيقة لا يدخلها نور سماحة البداوة وطيبة وكرم أهل الريف وشفافيتهم إلا شعاعاً رمادياً، ولن يمضي طويلاً .. آمل ألا أقصم ظهر رجل بطيبته كثيراً ما يتخطى صخب المدن وجمال عمايرها ومراحيض المدن عنده برغم زينتها وزخرفها إلا أنها لا تعني له إلا ثقباً يمتص الروائح النتنة للمدن ومخزناً لفضلات طعام المترفين. إن المدن برغم أنها عند البعض تمثل ملجأ تسحب عنهم رتابة السنين، إلا أنها عند يوسف تعتبر نقصاناً لهويته التي هي نتاج امتزاج أشياء سودانية جميلة لا تسعها أنوار المدن ولا تسع عشقه للسفر والجبال ومغامراتها.

إن شفافية وطيبة يوسف حببته للكل، فهو كاتب صحفي متمرد على الالتزامات التنظيمية الصارمة يكتب عن منصور خالد وياسر عرمانن مثلما يكتب عن علي الحاج وإبراهيم السنوسي ونافع وعلي عثمان، رجل تربطه صلات جغرافية ورحم مع الفريق الركن شمس الدين كباشي، لكنه أقرب وجدانياً إلي الفريق الركن ياسر العطا.

يوسف في كردفان حازمي، إلا أنه أقرب إلى الحمر والمسيرية والنوبة ودار حامد والبديرية. يوسف عبد المنان معشوق أهله وعشيرته الذين يصاحبونه ويصحبهم في حله وترحاله، فهو رجل لا يمل الفرح بالناس عندما يطلبون عونه ومساعدته في وقت يهرب آخرون ويتضجرون من سؤال وخدمة الناس. يوسف لم يتخاذل يوماً عن إغاثة ملهوف، وقد ظل بيته ديواناً كبيرًا للحوازمة ولغيرهم، وكلما زرته وجدت رجالاً وشباباً يتحلقون حوله يمارسون هوايتهم اللعبة الشعبية المحببة (السيجة والضالا)، وهي رياضة ذهنية محلية يمارسونها بالمدن على رمال مستعارة، وآخرون يشاهدون الدوريات الأوربية، لأن يوسف يحب الرياضة العالمية، ومحلياً يشجع الهلال.

يوسف يحب الزراعة والرعي والمكوث في بادية كردفان وفي الخرطوم كثيراً ما نجده يصحب معه في عربته شقيقه الأكبر (إبراهيم) وصهره (ياسر مختار) ذهاباً وإياباً في رحلته إلى العمل بمحبة صادقة، لعلهم يجترون معه الذكريات و”الخبورات” على قول مهدي بابو نمر. وقبل أسبوعين حدثت سرقة إبل لأهلنا (حمر) من قرية أم دفيس محلية أبوزبد وصل فزع الأهالي الشعبي إلى تخوم جنوب كردفان، وهناك تحفظ أحد مكوك قبيلة النوبة على خمسة من أفراد الفزع لارتيابه فيهم لأنهم يحملون قطعة سلاح وهو ممنوع حمله عندهم، وكان برفقة الفزع الدكتور القانوني الصادق شيخ الدين، والدكتور حامد مسلم إلى جانب أخي وصديقي الوزير والمعتمد السابق محمد أحمد عبد السلام الذي كنت متواصلاً معه، وطلب مني التواصل مع الأخ يوسف عبد المنان لمساعدتهم في الأمر، لأنهم دخلوا جغرافية أهله ودرب الإبل ولج إلى منطقة وعرة وبها خيران يدخلونها لأول مرة (خور الفرشاية).

اتصلت على يوسف وأخبرته بالنبأ والمطلوب فعله فانفعل بالموضوع بروح رجل الإدارة الأهلية وشهامة ابن البلد الأصيل. اتصل فوراً على الفزع في الميدان وطلب منهم التوقف عن أي خطوة وأن تترك له فسحة زمن لإعمال وساطاته وعلاقاته لفك طلاسم القضية بشكل ودي وأهلي حتى لا تحدث احتكاكات وتوترات قبلية، وأمر بأن يذهب كل أفراد الفزع إلى بيتهم بقرية طيبة، ثم أدار يوسف حواراً عميقاً وجاداً بعد تواصله مع عمد وشيوخ قبيلة الحوازمة في مقدمتهم العمد (هبيلة ودراس) وبدورهما تواصلا مع لجنة مساعي السلام والتعايش السلمي، وهي بدورها فاوضت قيادات وأهالي اللصوص الذين ينتمون إلى مكون اجتماعي آخر قدم إلى المنطقة بسبب هجرات الحروب في دارفور، وقطنوا في دار الحوازمة، ظلوا يمارسون عمليات النهب ويذهبون في اتجاه مناطق التمرد للتمويه وضياع وجهة الدرب.

فاوضت اللجنة بمتابعة من يوسف حتى الحركة الشعبية في منطقة (الصبي)، وأطلق سراح المحبوسين، وتم استرجاع الإبل المسروقة بعد ثلاثة أيام من التتبع والحوار والإرشادات، وعلى شرف المناسبة أقام النور الحبيب وهو أحد رموز وقادة المجتمع بمنطقة الفرشاية مأدبة إفطار بكرم حاتمي دعا لها كل قيادات وعشيرة قبيلة الحوازمة، وتعارف الوفد مع قيادات المنطقة وكسبوا أهلاً ورجالاً من نوع آخر، وكانت ملحمة اجتماعية طرفها الرئيس والأساسي يوسف عبد المنان الذي مهما تحدثت عنه لن أوفيه حقه وفضله، فهو رجل لا يتكلف الكرم ذات مرة التقيته وسط الخرطوم بالصدفة فناداني بصوته الجهور (رابح) تعال ـ فقال: (خلي عربيتك واركب أرح معاي مشوار) بعد أن صعدت سيارته سألني: برنامجك شنو أرح معي مشوار وذهبنا حتى شارع الستين جوار المنشية لديه محل بيع عسل نحل أصلي أخذ كميته ثم دلف إلى ملحمة كانت بالقرب من المحل أخذ (4) كيلو لحم لنفسه، وعدد مماثل لي : قال ببساطة لا تعرف التكلف: هاك ودي اللحم دا إلى عيالك يا رابح ـ أمس وأنا داخل إلى صحيفة الصيحة ويوسف يهيم بالخروج ومعه أسرته الصغيرة نادانا بفرح أنا وابوعبيدة كي نسلم ونتعرف على زوجته وبناته وبنات إخوته اللاتي يرافقنه إلى مشوار خاص. زوجة يوسف بنت خاله عرفناها من قبل من خلال شهي طعامها في الإفطارات الرمضانية السنوية والدعوات الخاصة التي ينظمها يوسف من وقت لآخر فهي بت أصول حفظها الله.

شكراً أخي يوسف وأنت كلما نلتقيك تستعيد إلينا عافيتنا المنسية قليلاً بعدما دفعنا ضريبة المدن الحالمة سجناً في زنازينها الاسمنتية وتسرب من بين أيادينا الكثير الذي لا يعوض.

مقالات ذات صلة

إغلاق