خربشات الجمعة

(1)

هل تمنيت عزيزي القارئ أن تنتمي يوماً لدولة أخرى غير بلادك؟؟ وهل الجنسية المكتسبة لضيق العيش في بلدك.. أو ضيق مسامات التعبير الثقافي والسياسي تنمي الإحساس بالانتماء للوطن البديل؟؟ ربما يتمنى البعض أن يكون أمريكياً لقوة وجبروت تلك الدولة التي تحكم العالم بثروتها وقوتها العسكرية والتكنولوجية وقيمها الحضارية, وربما يتمنى المرء أن يصبح سويسرياً في بلاد هي جنة الله في الأرض طبيعة ساحرة وشعب مبدع وحياة رغدة.. ولكن هل تمنيت يوماً أن تصبح “ملقاشياً” أي تنتمي لدولة مدغشقر في الساحل الشرقي من القارة الأفريقية؟؟

نعم في ليلة الأحد الماضي “تمنيت” أنا السوداني الذي يتغنى يومياً بمقطع من نشيد فيه كثير من العزة والفخر والادعاء: “تخيل كيف يكون الحال لو ما كنت سوداني وأهل الحارة ما أهلي”، ولأن الوطن لا يمثل فقط ظاهرة جغرافية بل تعبير عن كيان اجتماعي وثقافي ويشعر كل عضو بالانتماء إليه سواء كان مزارعاً للدخن في منطقة سُمّيت “أم دخن” لكثرة إنتاج هذا النوع من الحبوب الغذائية أو من الذين يمتهنون بيع مساويك شجر الأراك في محطة هيا عندما كان القطار يغشاها مرة واحدة في الأسبوع..

وإذا كان تعبير الوطن عند العرب قديماً ينم عن مراتع الصبا ومنازل النشأة الأولى وديار الأهل، فإن عالم الحداثة جعل مشجع كرة القدم في البراري الكندية يتجاوز “عقدة” اللون ويشجع بحرارة منتخب الكاميرون حتى حينما ينازل منتخب الدنمارك أو كوريا الجنوبية.. وعلى ذكر كرة القدم فكاتب هذه السطور تمنى في نفسه أن يكون “ملقاشياً” على الأقل في “الليلة ديك” ومنتخب دولة نيجيريا بكل نسوره الجارحة.. وتاريخه في القارة السمراء وتتقافز الغزلان المدغشقرية في خفة الفراشات وتغزو الشباك النيجيرية.. مما دفع الرئيس المدغشقري لمغادرة بلاده والتوجه الى الإسكندرية والإقامة في الفندق الذي يقيم فيه المنتخب المدغشقري لمؤازرة المنتخب الذي وصل لنهائيات بطولة الأمم الأفريقية لأول مرة وبات يسمى بالحصان الأسود للبطولة في وجود الحصان الأبيض منتخب الجزائر والحصان الأشقر أسود السنغال..

(2)

مدغشقر قدمت نفسها في بطولة الأمم الأفريقية كدولة حديثة رئيسها يبلغ من العمر 43 سنة شاب يرتدي بنطالاً أسود وقميصاً أبيض وجاكيت “بني” تم انتخابه ديمقراطياً ولم يقفز على السلطة في غسق الليل ممتطياً ظهر دبابة وفي يده “سوطاً” لتأديب الشعب!! جاء الرئيس المدغشقري ما بين صندوق خشبي “حشاه” الشعب بأوراق الانتخابات.. ويوم تنصيبه أعلن إطلاق سراح أي معتقل في بلاده، وفتح أبواب السجون للأحرار.. وجعل الصحافة تكتب وفق ما يمليه عليها ضميرها.. لا تكتب بما تمليه عليها مصالح طبقة حاكمة أو حزب ثري يشتري ذمم الناس في هجعة الليل وفي رابعة النهار!! والجالية “الملقاشية” ترقص وتغني فرحة بأداء لاعبي المنتخب وهم شعب مزيج من الهنود واليمنيين واللبنانيين والبانتو والأولو.. وامتزجت الدماء الزنجية بالدماء “الصفراء” القادمة من القارة الآسيوية، وترتبط “مدغشقر” الحديثة بفرنسا.. وعلاقات تجارية بتنزانيا وجنوب إفريقيا ويزرع الملقاشيون الزنجبيل والقرنفل.. والذرة الشامية ويبلغ تعداد سكان مدغشقر نحو (7) ملايين نسمة.. ولاعبو المنتخب المدغشقري ينشطون في أندية صغيرة ومغمورة في دوري الدرجتين الثانية والثالثة بفرنسا.. وهناك محترف يلعب في السعودية ذو الشعر الأبيض ومحترف آخر في الجزائر.. لم تأت مدغشقر من أجل المشاركة ولكنها لعبت في دوري الستة عشر مباراة بطولة أمام الكنغو الديمقراطية بكل ثقلها الكروي واسمها الكبير فلفظتها خارج المنافسة لتضرب موعداً مع نسور قرطاج المنتخب التونسي الذي أزاح بدوره المنتخب الغاني العنيد..

(3)

قدمت مدغشقر نفسها في الدورة الحالية للأمم الأفريقية ورفعت رأس رئيس الاتحاد الأفريقي أحمد أحمد الذي فاز برئاسة الاتحاد جراء تحالف اتحادات إقليمية لوسط وجنوب أفريقيا في مواجهة مراكز القوى الكروية في غرب القارة السمراء، وبعد صعوده المفاجئ لقيادة إفريقيا إدارياً.. هاهم أبناء ملقاشي يقدمون أنفسهم للعالم كوجه جديد وأقدام مطرزة بالفن والإبداع.. لتكتب قصيدة لوطنها في بلاغة ابن الرومي الذي قال..

لي وطن آليت ألا أبيعه

وألا أرى غيري له الدهر مالكاً

فقد ألفته النفس حتى كأنه

لها جسد وأن غودرت هالكا

وحبب أوطان الرجال إليهم

مآرب قضاها الشباب هنالكا

شكراً ملقاشي، منكم نتعلم كيف نقدم أنفسنا في بطولة العالم القادمة بدوحة العرب 2022م أو كما قال الرئيس السجين عمر البشير..

مقالات ذات صلة

إغلاق