(العسكري) و(الحرية).. اتفاق المواطنة لا الطبقي!!

لطالما فرح معظم السودانيين هستيرياً لمجرد الإعلان عن اتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير، فهذا على الأقل يبين حجم الضغط النفسي الذي كان يعانيه الجميع جراء أثر الخلاف والصراع وبصورة خاصة قوى الحرية والتغيير التي عبأت الشباب المتحمس بشكل كبير وهي بحاجة ماسة لاتفاق ولو على ملامح مقاصده ورؤاه الأولية حتى تعمل على تسويقه سياسيا لتهدئة الشارع المتطلع لاتفاق يتأسس على واقع المواطنة والأخوة الإنسانية الذي ينهي معاناته، وليس اتفاقاً مقتصراً على الطبقات النخبوية المستنيرة التي تعبر عن قضايا محدودة.

إن الاتفاق على مجلس للسيادي بالتناوب بين طرفي المعادلة السياسية ولمدة ثلاث سنوات تزيد قليلا وكذلك الاتفاق على تشكيل حكومة مدنية من ذوي الكفاءات الوطنية المستقلة هو المسار الصحيح الذي ينهي جدلية الصراع في وقته الحالي وهو اتفاق لا يستثنى فيه أحد فترة التشاور والتنسيق لتأسيس هياكل الفترة الانتقالية وملئها بالشخوص، اتفاق لا يتجاوز أحداً من القوى السياسية والحركات المسلحة، وسيكون له ما بعده على حد تعبير نائب رئيس المجلس العسكري الفريق أول محمد حمدان دقلو. وله ما بعده هذه ربما تعني النتائج الإصلاحية المترتبة على مرحلة ما بعد الثورة في كل المجالات السياسية والاقتصادية، فكل الثورات الكبيرة التي شهدتها بعض دول العالم عبر التاريخ ألغت كثيراً من الظواهر السالبة والممارسات التي كانت سائدة في ذلك البلد، وقد لا تكون الثورات نفسها حين اندلاعها لم تكن قد فكرت في تلك الممارسات واستعادة الحقوق المسلوبة إلى أهلها، بيد أن نتائج الثورات عادة ما تكون مثمرة وتحمل إلى أبعد مما كان يتصور الذين نظروا لها ودونكم تقليد الثورة الفرنسية وما حققته من خلاصات والصيغ والنصوص التي جمعت بها الناس على أساس المواطنة والحقوق الإنسانية وليس سواها وبعض الثورات انحرفت نتائجها نحو نزعات اجتماعية غير منطقية، وهنا لابد من الاعتبار لشكل وطبيعة الصراع والتعارض الذي كان سائداً في بلادنا بين المركز والأطراف، لأن في مثل هذه الظروف تجتهد الأطراف لاستعادة مكانها في الخارطة الوطنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لأنها كانت تعايش انحرافاً ظل ملازماً للتجربة الوطنية منذ الاستقلال في العام 1955م، حروب حصدت الملايين من الشباب السوداني تحت ضغوط عنصرية وجهوية واقتصادية فلابد للتسويات أن تنظر لهذه النداءات ووضعها في تفاصيل الاتفاق وصياغته على أساس المواطنة والواقع الموضوعي العام الذي يحفظ الحقوق لكل التيارات الإسلامية وغير الإسلامية وأن يخرج الوطن من حكم القلة المعولم في كل شيء، وأن يعي الجميع أهمية ومقتضيات إدارة الصيغ الاجتماعية والسياسية المتضامنة لتشكيل التاريخ الوطني السليم الذي لا يسمح لأمراض التاريخ أن تبرز نفسها أكثر مما كانت عليه في السابق.

لابد من أن يسفر الاتفاق عن تطور الوعي الجمعي بمقتضيات الحال الذي بأسبابه خرج الناس وإنهاء موجات الحروب والصراعات والإقبال على التنمية والخروج من نظام الرأسمالية المتحكمة غير المنظورة لكنها واقع نعيشه، لأنه لا يمكن أن يصبح (8) من تجار العملة الحرة يقطنون في منطقة لم تتجاوز مساحتها بضعة كيلو مترات يتحكمون في مصير (34) مليون مواطن سوداني، يعيشون على مساحات تقارب المليون ميل يخضعونه للتبعية القاهرة وضعف التنمية والخدمات، ولذلك لابد من قوانين رادعة وإرادة ضابطة في تنفيذها لتفك هذا الارتباط العضوي الذي هو أخطر على شعبنا من النظام الإمبريالي العالمي.

ولابد من أن تجيب تفاصيل الاتفاق على كل الأسئلة التي لا يمكن تجنبها وهي التي قعدت ببلادنا عن ركب الحضارة والتنمية، فالسياسيون يتفقون بسرعة، لكنهم يختلفون بصورة أسرع، لذا لابد من البناء على رؤية المجتمع المنتفع من التسويات السياسية في استراتيجياتها التنموية ورفاهيته، وألا يكون الاتفاق مختزلاً في رؤية أحزاب قوى الحرية والتغيير ببعدها السياسي الضيق المتنافر، ولابد من خلق تجانس وطني ينهض باقتصادنا المقعد ويساعد على نمو الناتج المحلي الإجمالي وتوسع الأسواق (الصادرات والأسواق المحلية)، والنظر لأبعاده الاجتماعية (درجة عدم المساواة في توزيع العائد والحصول على الخدمات الصحية والتعليمية)، وكما هو معلوم دولياً تمثل التنمية مساراً آمناً متفقاً عليه عالمياً ينطوي على تحقيق أهداف وتعريفات التنمية بكل نواحيها السياسية وتقاطعات ومشتملات هذه الأهداف مع حركة الوعي ونشر الديمقراطية وسط المجتمع وتأكيد قوة واستقلالية المجتمع، عوضاً عن سجنه في حزام ضيق لخدمة أجندة سياسية أضيق من قبل المجموعات المنتفعة جغرافياً وسياسياً.

لابد من وضع اعتبار لحالة الإفقار التي أنهكت المجتمع المدني واتبعاد مناهج الحوكمة الصالحة التي تقضي على الفقر النظري قبل العملي لأن البعض قد أصيب بفقر نظري وهيمن على خطابه العام قبل الخاص، لابد من الحد منه بل استئصاله عبر صيغ الاتفاق الذي جاء بدفع مدني وعسكري معاً، فهما اللذان استطاعا استبدال النظام السابق بآخر نحسب أنه سيكون افضل، وهذا يتطلب أن يكون الاتفاق المبرم مشروعاً واضحاً وشفافا للتغيير من خلال استراتيجية متماسكة وليس اتفاقاً مبهماً لا يبني الثقة ولا يحقق مفهوم العدالة الاجتماعية والسياسية المطلوبة.

نخلص إلى أن يكون اتفاق العسكري والحرية مرتكزاً لإنهاء حالة التباين والخطاب المتناقض الذي أنتجته الثورة التي تدعو للمساواة والحرية وممارستها العملية متناقضة مع واقع ممارسات قوى إعلان الحرية والتغيير ومنسوبيهم الموغل في التملك ومصادرة حقوق الآخرين وحالة الإكراه التي مورست وهي تراجع فكري عما ظلوا يدعون له في منابرهم وخطاباتهم وشعاراتهم الثورية القائمة على العدالة وحتى تعبير المدنية أو المجتمع المدني الذي يعبر عنه الجميع اليوم صغاراً وكبارًا تم تشويهه فهو المصطلح الذي جاءنا من الولايات المتحدة الأمريكية. ويرتبط هذا المفهوم باستراتيجية بنائه على أساس الجماعة المشتركة والمشاريع الوطنية العامة في التعليم والصحة وغيرها وعكسه تعبير المجتمع المدني في المجتمع الأوربي الذي يعني المجتمع المدني ومجموع منظماته الشعبية المدافعة عن حقوقه. وبهذا المفهوم الأمريكي نادرًا ما يدل مفهوم الدولة المدنية على المنظمات المتعلقة بعرف الصراعات الشعبية التي تحدث عندنا (مثل النقابات المنظمات والجمعيات والاتحادات الفلاحية والزراعية والأحزاب) غير أن الخطاب العصري للمدنية يشكل المفهوم العام للمنظمات غير الحكومية، وفي كل الأحوال فهو ذيل تابع للفكر المهيمن الذي يرى في التنظيم والتشريع الحكومي الضابط للحياة بأنه مقيد بل خصم للحرية الطبيعية في ظروف واقعنا، لذا نجد الناس يتقاتلون على المصطلح ولا يعيشون روحه ولا يلاحظونها في تفاصيل حياتهم اليومية هل موجودة أم لا..!!

مقالات ذات صلة

إغلاق