واشنطن في أفريقيا.. اهتمام بأمر جيوسياسي

ترجمة: إنصاف العوض

أدى الطلب العالمي المتزايد على الطاقة والإرهاب المستمر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والعوامل الخارجية السلبية لأنشطة الصين في إفريقيا مثل انتشار الأسلحة والتدهور البيئي وسوء الإدارة وانتهاكات حقوق الإنسان إلى تغير النظرة الأمريكية للقارة السمراء من كونها قارة ضائعة إلى أرض للفرص الاستراتيجية مما جعلها تكتسب مكانة بارزة على شاشة رادار مصالح الأمن القومي الأمريكي ومكنها من الصعود السريع فى المشهد الجيوسياسي الدولي.

رقص جيوسياسي

ومع إنشاء البنتاغون للقيادة الأمريكية في إفريقيا وتشكيل نادي الطاقة التابع لمنظمة شنغهاي للتعاون هذا العام، فإن المسرح مهيأ للرقص الجيوسياسي الجديد لمنافسة القوى العظمى على الموارد في القارة الأفريقية. ومع ذلك، توفر منافسة الموارد هذه أيضًا فرصاً للمشاركة والتعاون من خلال المنتديات المتعددة الأطراف في مسألة أمن الطاقة. ما يسهل التنسيق بين الإدارة  الأمريكية ومنظمة حلف شمال الأطلسي ومنظمة شنغهاي للتعاون مع الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة من أجل بذل جهود مشتركة لتحقيق الاستقرار في قطاع الطاقة، وكذلك اتخاذ خطوات بناءة لمساعدة الحكومات الأفريقية على الابتعاد عن “لعنة الموارد”.

إهمال حميد

ليبرز السؤال:  لماذا الاهتمام بأفريقيا؟ والحقيقة لم يكن هناك اهتمام كبير بالمنطقة الأفريقية بل وصف البعض سياسة الولايات المتحدة تجاه إفريقيا بأنها “إهمال حميد”. وعلى سبيل المثال، قال تقرير أصدره البنتاغون عام 1995 حول استراتيجية الأمن الأمريكية لأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، قال إن المصالح الاستراتيجية في أفريقيا محدودة وغير مهمة إلا أنه  خلال ذلك الوقت، كان سعر النفط عند حدود الـ18  دولارًا للبرميل، ولم يفكر الناس بشكل عام في إمدادات النفط، ولا فى أفريقيا، فى وقت ركزت فيه التقارير الإعلامية على المجاعة والإبادة الجماعية بشكل كبير . وبعد مرور 10 أعوام على ذلك تم تحويل إفريقيا إلى مصدر جديد مربح للنفط والغاز في السوق العالمية ومع زيادة الاستثمار ليس فقط من الأوروبيين، بل  أيضاً من الصين وروسيا والهند والولايات المتحدة. وعليه فإن هذه النظرة المتغيرة إلى افريقيا سببها الأول الطلب المتزايد على الطاقة من آسيا وبخاصة الهند والصين على سبيل المثال ارتفع الطلب على الطاقة من القارة العملاقة في العام 2005 إلى 40% من الطلب العالمي.

جاذبية أفريقية
ودفع استمرار ارتفاع أسعار النفط بين 60 و80 دولارًا للبرميل، والخوف من تركيز كتلته في الشرق الأوسط، إضافة إلى  المخاوف من عدم استقرار تدفق النفط  بسبب استمرار الصراع هناك بين مستهلكي الطاقة إلى البحث عن موردين بديلين، كما أن جهود الولايات المتحدة لتوزيع محفظة أمن الطاقة الأمريكية عبر عدة نقاط أصبحت ملحة للغاية منذ الحادي عشر من سبتمبر مما دفع  الرئيس بوش للمطالبة بتنويع الاعتماد على النفط في الشرق الأوسط بنسبة 75٪ بحلول عام 2025.

السبب الثالث لجاذبية أفريقيا هو اكتشاف الاحتياطيات مع التقدم التكنولوجي الجديد. إذ أدى الحفر في المياه العميقة (أكثر من 1000 قدم) إلى تحرير الاحتياطيات الهائلة من النفط والغاز والتي لم تكن قابلة للتطبيق من الناحية التجارية حتى الآن، خاصة قبالة ساحل غرب إفريقيا في خليج غينيا. ومن المسلم به أن المتشككين قد يشككون في جدوى إفريقيا كمصدر بديل لمورد الطاقة، بالنظر إلى أن لديها فقط 10٪ من الاحتياطيات المؤكدة في العالم، في حين أن الشرق الأوسط لديه 63٪. ومع ذلك هناك العديد من الأسباب التي تجعل النفط الأفريقي جذابًا، وخصوصًا محتواه المنخفض من الكبريت وموقعه الاحتياطي في الخارج وعقود اتفاقية مشاركة الإنتاج المجزية كما أن النفط الأفريقي الخفيف والمنخفض الكبريت، يساعد على انخفاض تكلفة المعالجة التي تحتاج إلى قدر ضئيل من التكرير، والتي تلبي أيضًا المعايير البيئية الصارمة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

على النقيض من ذلك، فإن نفط الشرق الأوسط ثقيل وعالي المحتوى من الكبريت ويباع بشكل أساسي في السوق الآسيوية ذات المعايير البيئية الأكثر تراخياً.

عقود مؤاتية

 بالإضافة إلى ذلك، فإن موقع احتياطيات النفط الأفريقية في الخارج يقلل من تكلفة النقل، حيث لا توجد حاجة لبناء خطوط أنابيب باهظة الثمن عبر المناطق التي تمزقها الصراعات على الشاطئ. وتعد التقنيات الحديثة، مثل سفينة التخزين العائم للتخزين والتفريغ والتى هي عبارة عن هياكل عملاقة شبيهة بالسفن تحتوي على مصانع عائمة بحجم العديد من ملاعب كرة القدم حيث يتم جلب النفط الخام المستخرج من المياه العميقة للمعالجة والإنتاج و المخزنة في حاويات يمكن أن يحمل أحدها  أكثر من مليوني برميل، ثم يتم تفريغه على ناقلات عملاقة لنقلها إلى المصافي في أي مكان في العالم. علاوة على ذلك، فإن ثلثي اكتشافات النفط والغاز الجديدة في العالم تأتي من احتياطيات المياه العميقة. وقد خفف هذا إلى حد كبير من مخاوف النفط القصوى. وأخيرًا ، تمنح الدول الإفريقية عقودًا مواتية تسمى اتفاقيات دعم الإنتاج، حيث يتم منح شركة نفط أجنبية ترخيصًا للبحث عن البترول (بشرط أن تتحمل التكاليف الأولية لجميع عمليات الاستكشاف والإنتاج) على أن تتشارك العائدات مع الحكومة المضيفة إذا تم اكتشاف النفط على الكتلة. يتم تقديم دعم البرامج والإدارة عمومًا إلى الدول الفقيرة التي لن تتمكن أبدًا من جمع الخبرات الفنية أو المليارات في الاستثمار الرأسمالي المطلوب للتنقيب عن النفط بأنفسها. هذا أمر جذاب بالنسبة لشركات النفط العالمية لأن الاستثمار الأولي الصغير نسبياً يمكن أن يتحول بسرعة إلى مليارات لا تحصى من الأرباح. مقارنة مع دول الشرق الأوسط مثال لذلك المملكة العربية السعودية، حيث تحتكر شركة أرامكو السعودية المملوكة للدولة الاستكشاف والإنتاج والتوزيع.

أمن بحري
 
وثمة سبب آخر للتركيز على أفريقيا وهو زيادة الإرهاب والعنف في القارة. 

 إذ يوجد بأفريقيا منطقة كبيرة غير خاضعة للحكم فضلاً عن  الدول الفاشلة، والدول التي توفر أرضًا خصبة للإرهابيين. على سبيل المثال قالت المخابرات الدفاعية الأمريكية أن العديد من المقاتلين الأجانب في العراق يأتون من المغرب والجزائر. وبالتالي فإن مكافحة الإرهاب وتحسين الأمن الإفريقي من شأنه أن يعزز المصالح الأمريكية ويقلل من مصدر الإرهاب ضد الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة بضمان الأمن البحري وحماية طرق التجارة من أفريقيا. وتعمل الولايات المتحدة على زيادة العلاقات الاقتصادية مع أفريقيا جنوب الصحراء عبر سياسة شاملة للتجارة والاستثمار للولايات المتحدة للقارة تسمى قانون النمو والفرص في أفريقيا  علاوة على ذلك، تعد نيجيريا الآن ثالث أكبر مورد عالمي للنفط للولايات المتحدة، أكبر مستهلك عالمي للطاقة، وبالتالي فإن عدم الاستقرار في البلاد سوف يؤثر على أسعار النفط العالمية. على سبيل المثال، أدى عدم الاستقرار في مناطق دلتا النيجر إلى إغلاق النفط بنسبة 25٪ ، وارتفعت أسعار النفط العالمية فوق 60 دولارًا للبرميل في أبريل 2007 بعد أن أجرت البلاد انتخابات وطنية متنازع عليها وما يزيد عن 70 دولارًا للبرميل في مايو 2007 بعد هجمات على خطوط الأنابيب في دلتا النيجر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى