ومنا النشيد- الصادق الرزيقي -ود كوبي… وداوِني بالتي كانت هي الداءُ!

أ”

كان ثمة من يشم رائحة الغيم، ويلامس من الشمس ضفائرها الطائشة بين فجوات السحب، ويعربد دمه الوالِه في شرايينه كأنه يرقص رقصة الهياج، ويتّكئ على حائط الذكريات بزخرفاته وزركشاته الملّونة وطلائه العتيق، وتفاحة الروح الخضراء تتبسّم نداها الطل، والأغنيات الغافِيات على راحة المساء، يجئن مضمخاتٍ مبللاتٍ مثل الليل المبتل بالشجى والشجن والنحيب.

على تلّة صغيرة من تلال الزمن المشبّع بالحنين كعُشب الخريف، جاء من أقصى سهوب الذكرى، وجه مثل وجوه العابرين يرفُل في حلة زاهية من صهيل المواجد العريقة..

حطّ على غصنٍ دانٍ من شجرة العُمر النضير، يشبه كروان طه حسين، يشقشِق للناس والأرض والسماء والحب، لكأن الدنيا لم تُعطِه إلا قُدرته على سُقيا القلوب وإن قست وغلظت وتيّبست كجذع نخل خاوية.. وكان الأفقُ أفقاً جريحاً عندما تبدو الحياة كلها، ضئيلة، صغيرة، مليئة بأسود الدخان!

“ب”

في ذاك الوادي المُخضر من عمرنا الغض، كان لنا صديق وزميل دراسة في المرحلة الوسطى “محمد إبراهيم كوبي”، تجاورنا في مدرسة نيالا الأميرية المتوسطة في آخر عتبة من عقد السنوات السبعين من القرن الماضي، كان قصيراً جداً، مستدير الوجه صغير العينين، كصيني عكست الشمس لون بشرته من اللون الأصفر للون بشرتنا الداكن، غزير الابتسام والضحك كمطر إستوائي لا يتعب ولا يئن، بارِع في الحكي وإطلاق النكتة الحاضِرة، سريع الجري والعدو، شبّهه “أستاذ الضو مرشد الفصل” بالسُليك ابن السُلكة، أحد صعاليك العرب في الجاهلية، وكان من أشهر العدائين وأسرعهم، يلعب ود كوبي في فريق المدرسة في كرة القدم في خانة الجناح الأيسر، يُطارد الريح ويُباري السهم في انطلاقه، لرجليه سرعة الضوء، ولحسن تخلّصه وخروجه من الورطات سرعة الصوت.

لا ندري هل قِصَر قامته فتنة أم حِكمة، لكنه كان يجمع بين كل محمود في القِصَر ومذموم، لكن ظُرفه ولطافة روحه وضحكته العميقة كالذكريات، جعلت منه بقعة من ضوء شديدة السطوع في المدرسة وحي الوادي وكرري وبقية أرجاء المدينة ووسط الجيل الذي ننتمي إليه، كانت له مشاغبات ومعابثات لطيفة في الفصل مع زميلنا وأول الدفعة و”ألفة الفصل” الأستاذ الإعلامي البارع في نيالا عبد الله الربيع، خال الزميل الاعلامي الراحل عبد الحي الربيع، كان لود كوبي أقاصيص وقصص خرافية ومنسوجات من خياله الجامح وحفريات قديمة لقصص حبوبات ومسامرات شيوخ الحي عن الجن والعفاريت وغرائب الرجال.

“ت”

كان ود كوبي، هو المبتدع الأول لأفكارنا الصبيانية الشيطانية في المدرسة والحي، لم نرَ أشقى منه، كان صاحب حيل لا تُجارى في صنع الأعذار في المدرسة وأمام المعلمين، يحني رأسه عند التوبيخ وينصت في تأدّب كراهب متبتِّل في محراب، وكنّا ثلة نكره مادة الرياضيات، ولا يجد ود كوبي عذراً من الهروب منها وهي الحصة الأولى دائماً في الصباح، إلا بأخذ دفتر المستشفى ولا يأتي إلا بعد انقضاء حصتين أو ثلاث من بداية اليوم الدراسي، كان اسمه راتباً في قائمة “المهرجلين” التي يعدها بعناية بخطه الجميل زميلنا عبد الله الربيع الأحبّ لقلب ود كوبي وصديقه اللدود.

في المسرحيات القصيرة والفكاهية وفي الإسكتشات في الجمعية الأدبية في المدرسة العتيقة المبنية على الطراز الفيكتوري القديم وداخلياتها ومبانيها العالية وأشجارها الكثيفة، يقف ود كوبي على خشبة المسرح كأنه يؤدي مسرحية عالمية لشكسبير أو صموئيل بيكيت أو برنارد شو أو نعمان عاشور أو نجيب الريحاني.

يُجيد كل الأدوار، يُقلِّد المعلمين ويضحك نظارة المسرح المدرسي، ويلتف حوله الطلاب من كل مشرب ومنبت واتجاه، أيام لم نكن نعرف الطلاب إلا بمناطقهم لا بقبائلهم وانتماءاتهم الضيِّقة.

“ث”

في الحي كان ود كوبي هو مرشدنا الأسطوري في السطو النهاري على جنينة الحكومة لقطف ثمارها من اللارنج والمانجو والبرتقال والقشطة، وكان دليلنا للهروب من أهلنا للسباحة في وادي نيالا في الخريف وفي البِرَك الكثيرة في أطراف المدينة خاصة «هلو وأم جُت والجزائر»، وكان يقودنا في الذهاب لحي “زنقو” لنأكل “الأقاشي والدونواكي” ونشرب القدوقدو بالروب، ونتسكّع في الطرقات نقشر “الهالوك” والبامبي المسلوق ونقضم التبش، ونحمل سلال الدوم الأخضر لنشرب ماء الثمرة الحلو الطعم كالسكر.

وعند المساء وخاصة في ليالي الشتاء الطويلة، نهرب من المذاكرة الليلية بالمدرسة في مغامرات قفز الأسوار القصيرة للمدرسة والذهاب لسينما نيالا، ويبرع ود كوبي في تجسيد مقاطع من أفلام رعاة البقر “أفلام الويسترن” والأفلام الهندية التي يحفظ أغانيها ويطرب لها، كأن الله خلقه ليقلِّد الآخرين.

كان يماثل لديْنا تماماً في تجلياته الليلية وحكاياته وجبة رأس الخروف المسائية التي نأكلها في مطعم مغمور قرب طاحونة تكتيك، قصيدة لا مرئية لصلاح بعد الصبور:

حين تدُق الساعة نصف الليل،

وتذوي الأصوات

أتداخل في جلدي أتشرّب أنفاسي

وأنادِم ظلّي فوق الحائط

أتجوّل في تاريخي، أتنزّه في تذكاراتي

أتّحِد بجسمي المتفتِّت في أجزاء اليوم الميت

تستيقظ أيامي المدفونة في جسمي المتفتت

أتشابك طفلاً وصبياً وحكيماً محزوناً

يتآلف ضحكي وبكائي مثل قرار وجواب

أجدل حبلاً من زهوي وضياعي

لأعلقه في سقف الليل الأزرق

أتسلقه حتى أتمدد في وجه قباب المدن الصخرية

أتعانق والدنيا في منتصف الليل

حين تدق الساعة دقتها الأولى

تبدأ رحلتي الليلية

أتخيّر ركناً من أركان الأرض الستة

كي أنفذ منه غريباً مجهولاً

“ج”

ثم مضت عقارب الثواني ودارت الدقائق ومرت الساعات والأيام والأشهر والسنوات، وتفرّق السامر ونحن نردد قول المتنبي:

نبكي على الدنيا وما من معشر

جمعتهم الدنيا فلم يتفرّقوا

مضى كل منّا في طريق، ذهبنا نحن لنيالا الثانوية، وود كوبي لنيالا الفنية، لكنه اختفى فجأة من نيالا في غياب طويل، ذهبت معه ضحكاته وحكاياته وشغبه وشقاوة الصبا، وبعد سنوات طوال وجدناه وقد غيّره الزمن، صار جندياً في القوات المسلحة، ورجل دعوة شديد التديُّن، داعية من الطراز الأول، ذهبت عنه شقاوة العمر الغض وحلّ مكانها وقار الدين وهيبته، لم تضع الملامح، لكن بقيت تلك الصورة القديمة مجمّدة في الذاكرة وهكذا الحياة.. يعبر دروبها كل الناس لكن من يبقى منهم كراسيات الجبال تغوص أقدامهم في صخور الذاكرة قليلون، ومنهم ود كوبي الداعية والعسكري الزاهد الذي توارى عن الدنيا وكان من قبل في صباه ياقوتة تاجها وفانوس ظلامها.

مقالات ذات صلة

إغلاق