مُحاربة الفساد.. مطلوبات الإصلاح الاقتصادي

الخرطوم: جمعة عبد الله

تصدّرت مطالب “إعادة هيكلة الاقتصاد السوداني ومحاربة الفساد ولجم المفسدين” والإصلاح الشامل، مطالب خبراء اقتصاديين ومواطنين، معتبرين أنها أهم مطلوبات المجلس العسكري والحكومة التي سيشكلها، فيما تباينت الآراء حول قدرة السلطة الحاكمة على منع حدوث ندرة في السلع وتراجع الخدمات.

وارتفع سقف تطلعات السودانيين لإحداث تحول حقيقي في اقتصاد البلاد، بعد ثلاثة عقود من التدهور الاقتصادي المستمر، وتنامي حجم التفاؤل عقب نجاح الحراك الشعبي في إجبار رئيس المجلس العسكري ونائب البشير السابق على الاستقالة،  وتباينت بقية المطالب بين محاسبة مفسدي العهد السابق وتوجيه الموارد المتاحة نحو القطاعات الإنتاجية ومعالجة التشوّهات التي كبلت الاقتصاد السوداني وتضارب السياسات وبناء علاقات دولية متوازنة تراعي مصلحة البلاد بعيداً عن الإيدلوجيات.

وتمثلت أهم المؤشرات الإيجابية في بيان المجلس العسكري الأول، في حل الحكومة السابقة كلياً وهي تنظيم متغلغل يستأثر بموارد ضخمة كانت تصرف على منسوبيه مع إنفاق حكومي كبير أدى لتفاقم العجز في ميزان المدفوعات، فيما برزت التخوفات من تعطيل العمل بالدستور وفرض حالة الطوارئ مما خلق قلقاً بين المستثمرين والتجار وتخوفات على مناخ الاستثمار المحلي والأجنبي.

ورجح الخبير الإقتصادي الدكتور عبد العظيم المهل، استمرار اتفاقات التعاون والشراكات التي أبرمت في العهد السابق، موضحًا أن الاتفاقيات الدولية تظل سارية في حال تغير الحكومات ما لم يكن التغيير غير مقبول شعبياً أو لم يحظ بالقبول من المجتمع الدولي و المحيط الإقليمي، مشيراً إلى أن الأمر رهين لما ستحدده حكومة المجلس العسكري.

وقلل المهل في حديث لـ “الصيحة” من أهمية الاعتماد على المساعدات لتجاوز المشكلة، موضحاً أن المتاح من موارد وفي حال توظيفه بالصورة المثلى سيساعد في تجاوز المصاعب الاقتصادية الراهنة، وقال إن التدابير والخطط التي سينتهجها المجلس العسكري هي التي ستحدد إمكانية الخروج من النفق المظلم من عدمه، لافتاً إلى أن الإجراءات الإصلاحية واتباع سياسة تقشفية مقرونة مع تقليص طواقم المسؤولين وخفض الإنفاق الحكومي سيوفر للمجلس موارد طائلة كان يتم صرفها في السابق على جيوش من المسؤولين.

وبدا المهل مستبعداً حدوث فجوة غذائية في الفترة الحالية، وعزا الأمر للانتقال السلس الذي تم بموجبه الإطاحة بالحكومة السابقة، مشيراً إلى أن حالة الاستقرار العام والرضا الشعبي النسبي الذي توفرت للمجلس العسكري تعتبر من الإيجابيات التي ستساعده في القيام بدوره بشكل مقبول.

ويدعو الخبير الاقتصادي، عبد الله الرمادي، لإلغاء سياسة التحرير الاقتصادي أولاً، وإعادة تشغيل التعاونيات في مواقع العمل والأحياء السكنية، وإنهاء سطوة محتكري السلع، موضحاً أن كثيراً من المشكلات الاقتصادية نتجت عن خروج الدولة من السوق وإفساحها المجال لمن أسماهم بـ “الرأسمالية الطفيلية”.

وقال الرمادي لـ “الصيحة”، إن مشكلات الاقتصاد السوداني بدأت بموجب إجراء تم بناء على سياسة التحرير الاقتصادي، وهو “الخصخصة”، مشيراً لفقد البلاد مؤسسات حيوية ومنتجة، وقال إن الحكومة مدعوة لإسناد الأمر للمختصين كل في مجاله وعدم تعيين السياسيين عديمي المعرفة بإدارة الاقتصاد.

وشدّد رئيس منظمة الشفافية السودانية، الدكتور الطيب مختار على ضرورة الإصلاح الحقيقي، وقال إنه يتم عبر مكافحة الفساد، ولجم المفسدين وانتهاج الشفافية في المال العام، موضحاً أن تطبيق المعايير العالمية في هذا الخصوص سيسهم بشكل فاعل في إصلاح الاقتصاد.

وقال مختار لـ “الصيحة”: من المهم للمجلس العسكري أن يتبنى توجهات إصلاحية حقيقية تخاطب جذور المشكلات، موضحاً أن معايير وموجهات الفساد تعتبر المؤشر الذي يتم بموجبه تصنيف الدول بحسب انتشار الفساد فيها، وزاد أن أهمية هذه المؤشرات تتمثل في أن الدول ذات التصنيف المتأخر لا تحصل على مساعدات مالية مناسبة.

وينتج السودان 55 بالمائة من احتياجاته من المشتقات النفطية المختلفة، يقل فيها حجم الجازولين بشكل كبير، و30 بالمائة من حاجة الدواء، و25 بالمائة من القمح المخصص لدقيق الخبز، فيما يكلف سد فجوة الدواء المقدرة بـ 70% من الحاجة 600 مليون دولار، مقابل ملياري دولار للدقيق.

وطوال فترة حكومة الرئيس المعزول، عمر البشير، عانى المواطنون من صعوبات بالغة في توفير متطلبات العيش الكريم، وتضاعفت المعاناة في العقد الأخير الذي شهد فقد 70 بالمائة من النفط و90 بالمائة من موارد القد الأجنبي، وتتزايد الأزمة مع كر مسبحة السنين حتى بلغت ذورتها في العامين الأخيرين.

يقول المواطن نجم الدين يوسف، إن اللحظة المناسبة لوقف معاناة المواطن السوداني “قد حانت”، مشيراً إلى أن تطلعات المواطنين بتحسين الوضع الاقتصادي لا تحدها حدود، رغم إدراكه حجم المصاعب التي تحيط بالبلاد، وقال إن بلاده “ليست دولة فقيرة” ولا تنقصها الموارد، بقدر ما تفتقر للإدارة السليمة لهذه الموارد، كما تغيب عنها السياسات الداعمة والمحفّزة للإنتاج، وقال إن أهم مطلوبات تحسين الاقتصاد تتمثل في “معالجات جذرية” تلامس المشكلات التي أدت للوضع الحالي، موضحاً أن كل المعالجات السابقة لم تكن تتجاوز كونها “مسكنات” لا تُخاطب جذور المشكلات، وبالتالي لم تؤد لنتيجة إيجابية.

مقالات ذات صلة

إغلاق