من الأغنيـــــات الخــالـــدة يا الله نتمنى في نقزو مسكنا

خالد الشيخ حاج محمود

اشتهرت مدينة بربر بالتجارة من خلال حركة القوافل التي تحيط بها جيئة وذهاباً ــ ولأنها تجمع المسافرين إلى الحجاز  بقصد أداء فريضة الحج، لذلك أصبحت كالميناء البري. وقد اختلف الباحثون والمؤرخون حول اسمها، من أين أتى، وإلى أين يشير ــ لقد أورد الباحث ابن بربر أحمد محجوب أن الاسم جاء من اسم ملكة كانت تحكم المنطقة في التأريخ القديم عُرفت بـ (بربرة)، لكن الرحالة بروس عندما زارها قال  إن اسمها كان آنذاك (قوز الفونج)  والذي يقع إلى الجنوب من بربر على بعد عشرة أميال تقريباً.

وقد اختلف الرحالة  بوكهارت مع بروس، وهو يقول إن بربر الحقيقية هي قرية المخيرف الحالية التي تقع جنوب بربر. فيما يرى ابن بربر المهتم بالتأريخ فيصل الحميلي أبو راي، أن اسم بربر مشتق من البرابرة الذين هاجروا إليها في سالف الزمان – وهي أصلاً كان اسمها (القيقر)، ولكن ذلك الزعم يضعفه أن القيقر مفردة تركية تعني الخندق، وبربر تأريخياً عرفت قبل العهد التركي.

ولقد قال أحد الحُكّام الأتراك في حق أهل بربر(غط القلم  غط وأكتب أحسن خط جبت الغفار والبحار فلم أجد أذكى من أهل بربر قط)، لا أدري هل ذلك الذكاء هو الذي جعل الناس يقولون في المثل (حذاراك من البائين). وأذكر عندما توفي فنان الحماسة الأول ببارا بابكر عبد الله (ود نوبة)، وقبله كان قد توفي فنان الحماسة ببربر بابكر ود السافل،  كتب الباحث الراحل الأديب الطيب محمد الطيب (لقد قُبرت أغنيات الحماسة بوفاة البائين).

لقد كانت بربر مربط القوافل المتجهة صوب سواكن، قبل أن تكون مركزاً تجارياً، وأيضاً كانت معبرًا  إلى مصر في إطار تجارة المقايضة مع الصعيد المصري، والتي اشتهر بها العبابدة والكنوز، والجعافرة وغيرهم عن طريق القوافل بالجمال التي تضرب فجاج الصحراء، وهي تحمل البضائع في رحلة تشبه رحلة الشتاء والصيف.

وما يُميز بربر، الطرق العديدة التي تربطها بمدن السودان المختلفة، وتمتد إلى خارج السودان خاصة طريق الغرب الذي يجمع الحجيج من غرب أفريقيا- وقد ساهم موقعها الجغرافي في بناء نهضتها العمرانية والتجارية، كما كانت للهجرات العديدة من الصعيد المصري أثرها على المدينة، حيث هاجر إليها الحميلية المتفرعين من العبابدة، وأيضاً هاجر إليها الشبارنة ناس شبرين،  وآل أبو قصيصة وعائلة بشيرصعود،  والجهينية من منطقة العبيدية والمكاوية والشراونة (آل شروني) وغيرهم من المهاجرين من  الصعيد المصري.

وقد عبّر الشاعر محمد أحمد ود  عيسى عن تقديره وشكره للوجيه محمد أحمد عبد الرحمن المشهور بـ (الحميلي)،  والد صديقنا العزيز فيصل في قصيدة صارت في مقبل الأيام من أغنيات الفنان الراحل ود السافل:-

يالحميلي ود أبو راي              ما فيش فايدة للقوقاي

كم عديت هواي غناي         وكم قاسيت  غرامي براي

فراق الزرعي كيفينو           ولون البياض من سنو

لكن ابن بربر الأستاذ سيف الدين أبشر، قال بأنه  سمع من بعض الباحثين بالمنطقة بأن اسم  بربر أساساً من البر، حينما يتجاوز الناس النيل وينزلون في البر، ولأن سواكن بر، وكذلك بربر لذلك يقولون (بربر بمعنى برين).

والجدير بالذكر أن مدينة عطبرة كان اسمها الداخلة، ويؤكد ذلك ما أورده الشاعر إبراهيم ود الفراش عندما كان في طريقه من بربر إلى عطبرة، وسمع صوت السلاح أثناء الحرب العالمية الثانية، وعندما سأل الناس عن سبب مغادرتهم عطبرة قالوا له أن موسوليني حرق عطبرة، الشيء الذي جعله ينبري قائلاً:

موسوليني الضكر عب سلاح النار             فوق الداخلة عانى محلق الطيار

خلاها بتجول مستخدمين وتجار         قنعوا الليلة من فولا ورغيفا الحار

كانت بربر في عهد الدولة السنارية تحت حكم الميرفاب، وأثناء الحكم التركي توقف بها غردون، وخاطب الإمام المهدي محذراً وراجياً منه الكف عن دعوته تلك، وكان ذلك في فبراير 1881. حينئذٍ كانت بربر عاصمة المديرية التي تمتد حدودها من تخوم دنقلا حتى الخرطوم، وفي عهد الخليفة عبد الله كانت عاصمة للإقليم الشمالي، تحت قيادة الشيخ محمد خير الغبشاوي، ومن فرسانها المشهورين في عهد المهدية (عبد الماجد أبو لكيلك) وقد قام الأنصار في عم 1884 باسترداد المخيرف وأُقيمت بها مدرسة بربر الحالية. وكانت القوافل تخرج من بربر إلى مصر والشام والحجاز وسنار والفاشر وغرب أفريقيا، كما أورد الرحالة (بوكهارت)، والذي أشار لضريبة المرور التي تدفع لناظر الميرفاب، وهي (خمسة أثواب دمور)، وأحياناً تدفع الضريبة نقداً (ريالات)، وكانت نقطة الجمارك في جبل النخرة شمال غرب بربر.

وظلت مملكة الميرفاب قوية في عهد مشيخة العبدلاب، ولم تضعف إلا بدخول الغازي إسماعيل باشا المدينة في 10 مارس 1821 كما كانت  ببربر  مدرسة نظامية تخرج منها بعض الكَتبَة والمحاسبين وموظفي التلغراف، وعُرفِت المدينة بالاهتمام بتعليم المرأة، وتعتبر الحاجة (مريم الحاج عطوة) جدة المجاذيب أول امرأة تقوم  بتعليم النساء ببربر خاصة بعد حفظها القرآن الكريم ومعرفتها بعلومه.

ومن سكان بربر الذين تصاهروا مع أهلها الجعليين على سبيل المثال (العبابدة، الجعافرة، الكنوز، والشوام، المغاربة، الأتراك واليهود)، كل هؤلاء هاجروا إلى بربر في فترة الحكم التركي. وتواصلت هجراتهم إبان الحكم الثنائي.

ومن الشخصيات المشهورة في منطقة بربر وما حولها والتي أسهمت في العديد من المجالات على سبيل المثال لا الحصر (أبشر أحمد حميده – محمد محمود الشايقي، والسفير أحمد مختار – الصحفي حسن مختار – وباشري باشري،  حسن الطاهر زروق، وحسن محجوب مصطفى، والعمدة محمد عبد الماجد، واللواء أحمد مجذوب البحاري، واللواء محمد الباقر أحمد، والشيخ عبد الرحمن أحمد، واللواء عبد الله خليل، وأحمد عبد الرحمن محمد).

ومن الأدباء نافع المك – عبد الله عبدون- وعبدين الخانجي. ولا يمكن أن تخطئ العين الإشارة للمبدعين الكبار الفنان الراحل عبد العزيز محمد داؤود – الشاعر إبراهيم ود الفراش-الفنان الشعبي بابكر ود السافل – المطرب مجذوب أونسة، (وهو من نقزو).

وهناك العديد من رجال الأعمال مثل (إبراهيم طلب والتجاني هلال، والشيخ عبد الباسط، سليم علي أحمد،  حسن موسى)

أما منطقة نقزو فهي تقع على بعد ثمانية كيلومترات من بربر، وتجاور قرية القدواب، وأغلب سكانها من الجعليين الميرفاب، علاوة على وجود الجعافرة والعبابدة والحميلية وغيرهم، وقد سُمّي الحميلية بالاسم لأنهم كانوا يحملون البضائع إلى مصر من تجارة المقايضة، ويقال إن  هناك امرأة من منطقة نقزو كانت تنقز ابنها فيردد الناس  تعبيراً عن ذلك (النقازي- وللتعظيم صُغّر الاسم  فصار نقزو)، وقد اشتهرت نقزو بصناعة الذهب. ومن أشهر أبنائها التشكيلي العالمي (مجذوب رباح).

عندما  ظهرت نقزو في أفق منطقة بربر، وصارت حاضرة قائمة بذاتها بعد التصاهر والتعايش الذي حدث بين الجعليين والمهاجرين إليها، أصبحت  المنطقة مستودعاً للجمال، وبالتالي كانت  مُبتغى الشعراء ولسان حال المبدعين والأدباء فألفوا قصائدهم وعبروا عن ذلك الحسن، ومن أولئك الشعراء (عثمان جاره- ابن بربر) والذي أرسل تحية خالصة إلى نقزو عبّر فيها عن دواخله في قصيدته الرائعة (متين يا الله نتمنى) استهل الشاعر تلك القصيدة بقوله:

متين يا الله نتمنى     يكون في نقزو مسكنا

الأغنية تغنى بها كروان التراث الشعبي بالمنطقة الفنان الراحل بابكر محمد أحمد كرار المشهور(بود السافل)، وهو أساساً من الجعليين السريحاب، حيث ولد بقرية السعدابية  التي تقع بالقرب من بربر في عام 1927م ودرس بخلاوي كدباس التي أسسها (الشيخ أحمد الجعلي بن الحاج حمد بن عبد الله بن علي بن عبد الماجد رفيده) الذي ينتهي نسبه إلى حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه.

ولقد وُلد الشيخ الجعلي في عام 1880 بقرية قوز الفونج، وعندما بلغ سن التعليم أرسله والده إلى خلوة شيخ الكاروري بنوري فحفظ القرآن، ثم ذهب للشيخ عبد الحميد الأزرق تور الجزيرة، ودرس على يديه العلم،  ثم انطلق ليعمل بالتجارة مع شقيقه الأكبر محمد في بربر وكردفان، وهنالك التقى بقنديل كردفان  الشيخ إسماعيل الولي، وبابنه السيد المكي، وكان الشيخ الجعلي يبحث عن طريق ومسلك صوفي يتبعه، لذلك اتصل بالختمية والشيخ المكاشفي والشيخ ود بدر، لكنهم قالوا له (يا ولدنا طريقك بجيك في مسجدك).

وبالفعل تحقّق ذلك، حيث دخل عليه الشيخ عبد الرحمن الخراساني في ذلك الوقت، وهو قادم من المدينة المنورة إلى بربر، وكان يسأل عن الشيخ الجعلي الذي لم يكن مشهوراً، لذلك وجد صعوبة شديدة في الوصول إليه، وبعد خلوة دخلها الخراساني استمرت إلى عشرة أيام علم بعدها أن الشيخ الجعلي بكدباس، فخرج لمقابلته، وما أن شاهد الخراساني الشيخ الجعلي حتى قال له (أنا مبعوث الحضرة النبوية إليك لنشر الطريقة القادرية بين المسلمين، وأنت مأمور بالاستجابة)، ومن ثم تفتحت آفاق جديدة أمام الشيخ الجعلي، بعدما أخذ عهد السلوك وتوافد عليه الناس من القرى المجاورة.

درس ود السافل العلم  بخلاوي  كدباس، ثم إتجه بعد ذلك نحو الغناء الشعبي، فذاع صيته خاصة وقد  كان يؤدي أغنياته على إيقاع الدلوكة، والذي هو في الأساس مستمد من الطبل المتوسط (النوبة). الجدير بالذكر أن الطبول أساسها (طبل النحاس) – لقد كان ظهور ود السافل في الأربعينات من القرن الماضي بمصاحبة فرقة شعبية متميزة من بربر،  ومن أعضاء فرقته الفنان المشهور بالمنطقة سيد الجعلي الذي كان يتغنى بالأُغنية الرائعة

قاموا زيارة من كدباس     يا ناس ألموني خلاص

لقد بدأ بابكر ود السافل بالمديح من خلال عقود الزواج، ولكن سرعان ما تحول للغناء الشعبي، واشتهر بأُغنيات الحماسة والتراث، وغنى لبعض الشعراء (عوض جبريل، ود عيسى عثمان جاره، عوض الحسين)، وعندما إستقر بأمدرمان أدخل (المثلث والصاجات)  على إيقاعه الشعبي. ومن أشهر أغنياته (من فريع البان) من كلمات صديقه الشاعر الأمين ود الأمين ولكن  الأغنية التي خلبت  الإحساس وملكت الدواخل أغنية (متين يا الله نتمنى) للشاعر عثمان جاره.

لقد ذاع صيت الأغنية، واشتهرت وصارت بالتالي من أغنيات بربر المشهورة والخالدة، لأن كلماتها صادقة ومعبِّرة وإيقاعها على طريقة السيرة الخفيفة، ومن مفرداتها الجميلة:

  متين يا الله نتمنى     يكون في نقزو مسكنا

نشوف القايمة خديرة      حلاة رمانا في صديرا

حافلة المارقه في السيره         ماخد الكاس علي غيرا

نشوف الفي الجمال بينه    لابسه الفي الرفوف عينة

جاهله وديعة يا حنينه     خدرة مفزرة  ولينه

شلاخك سيوف حادة    عينيك للقلوب مارضه

بشوف الريلة جات واردة    نكعت بالفدوى وصادة

قالوا الراوي يا نحنا    أصلو الحب أذى ومحنه

متين الحبيب يصارحنا   قبل الموت يريحنا

قالوا الليلة راويها    كهارب المينا عينيها

قليباً لي حابيها   يحب دايماً يواليها

لقد وصف الشاعر  عثمان جاره الصدر بالرمان على طريقة الشاعر خليل فرح في قصيدته جناين الشاطئ:

القوام اللادن والحشى المبروم و الصدير الطامح زي خليج الروم

كما تجلى الشاعر عثمان جاره بقوله لابسه الفي الرفوف عينة لأن التاجر الشاطر يعرض أفضل  بضاعته على الرفوف، أما الشلوخ التي أشار إليها الشاعر فهي قيمة جمالية في ذلك الزمان كما أورد أحد الشعراء الشعبيين

شلوخ الجودلية وخدها المتبول    بحور الدُكّري يوم الكتال مسلول

العجب العجيب كان لبسوها حجول     جدعة وسيدا دامر بيها في المأتول

أما العيون فقد  وصفها الشاعر الشعبي بقوله :

شلخ الرايقة بحر الدكّرى التمساح      وعين الرايقة الزهرة المغابة  صباح

حاجب الرايقة  البرق البعقبو شباح     وجه الرايقة قمر السبعتين الصاح

السبعتين الصاح بمعنى قمر اربعتاشر،  وقد رد على ذلك الشاعر في مساجلة أحد أصدقائه بقوله

شلخ الرايقة  منو القطر ما بقيف     وعين الرايقة الزهرة المغابه خريف

حاجب الرايقة البرق البعقبو الزيف      وجه الرايقة قمر السبعتين في الصيف

هذا الوصف يشبه قول الشاعر البدوي علي  بن الجهم

عيون المها بين الرصافة والجسر   جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

لله در  بربر ومدن  نهر النيل، التي هام بها عشقاً الشاعر ود الفراش في قصيدته (قطار المشترك)، حينما غادرت محبوبته الدون إلى مدني، وكانت قد زوجت إلى شخص آخر فنفس عن نفسه وتجلد بالقول الشجي:

قطر المشترك بالجمعة شال محبوبنا   وفرقك يا أم رخيص والله ما مطلوبنا

ساعة أشرولو قام خطر بي قلوبنا                              والسواق معجل قال كمل مشروبنا

أتى دامر المجذوب يفرج همك    و يحميك من عجاج المشترك ما يغمك

من الدامر قامبك على الزيداب     ويفر من القضيب وعجاجو بالأرداب

من الزيداب خاشابك العالياب    مرور بالمحمية يحميك الإله  من الشرور يا بنيه

رحم الله الفنان بابكر ود السافل، والذي توفي في عام 1984 بالأراضي المقدسة، وهو طائف في صحن الكعبة في موسم الحج، وقد قُبر بالبقيع، وحقاً كما قال عنه الباحث الراحل الأستاذ الطيب محمد  الطيب، بأنه من الذين حفظوا تُراث السودان القومي.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق