من اغنيات التراث – حليل موسى للرجال خوسه

خالد الشيخ حاج محمود

   عندما تنهمر دموع المرأة حزناً على رحيل عزيز لها، تعبر عن إحساسها بدموع المقل خاصة حينما يكون ذلك المتوفى من (شيالين التقيلة)، ومن أصحاب المكارم جملة، لذلك عندما توفي الرجل الشهم والكريم بعمارة ود البنا (محمد جبارة) منحت عليه ابنته الشاعرة زينب بقولها:

يا بحري الماك ترع

ويا الجبل الانقلع

يا يابا وين نرتع

شدو لك أبو غرد

لي جلسة العمد

يا راجل يا صمد

مفقود يا خال حمد

تبكي ميمونة تجض

كوديقنا الفوقو نهد

مفقود يا ما صع القد

خليت الحوش يجض

تبكي بت الفكي

ليك تقلع وتوقي

عشمانك بتدي

وبتجالس باردسلي

تبكي بت الخدر

يا رحلي اللعبر

مفقود يا سيد جابر

بتواقع المتوابر

(باردسيلي كان مفتش مركز وسط الجزيرة عصرئذٍ)

ولآن أصدق الشعر ما كُتب في الرثاء و المناحة، لذلك عبر الشاعرالكباشي الشيخ جامع علي التوم عن إحساسه بالحزن النبيل الكبير حينما نفق جمله – ولم يجد من السلوى سوى المفردات الحزينة والصادقة فانبرى قائلاً:

يا شيخ العرب ما جانا خبراً شوم

خبر تيسي المع بشار بهيج وبزوم

غرارة أم قدود غشاشة ما  بتدوم

شالت الدومتو هتاف شنى في الجرقوم

شالت البلحق الصيد الوقف لي دوم

شالت الحر مُأصل من نعم دلدوم

وحل ودوبا ود ناقة النمير سلوم

وأصلك من عنانيف شيخنا ود التوم

عليك طنيت وسويت نبجة المجحوم

فقدنك بنات الحوى وأم قدوم

ويبكنك بنات دورن حوالي عموم

يبكوك الرجال في أم سنطة والحروم

يبكيك ود قريش يبكوك ناس مشروم

عزايتك لا بتدخل الضل لا بتنوم

قدر مولاي وحكم الواحد القيوم

ودابل الملوك مما رقد ما بنوم

إني إن فرشت عليك

ما أظن أكون مليوم.

لقد بلل الحزن مآقي الشاعرة المنفلة بت جلي عندما تنامى إليها خبر مقتل شقيقها موسى ود جلي مما جعلها تعبر عن ذلك فكتبت المناحة المشهورة (حليل موسى –للرجال خوسه). لقد اختلف الباحثون والمهتمون بأُغنيات التراث والحماسة حول موسى المذكور في الأغنية هل هو موسى  ود جلي فارس بني جرار أم هو موسى أبو حجل فارس الجعليين ببربر الذي منحت عليه (فقوسة)، لكن أغلب الباحثين قالوا إن المذكور في الأغنية هو (ود جلي) وفق القصة المشهورة التي تقول بأن عُقال الحنيك كان هو البداية الدرامية لملحمة الصراع الممتدة بين بني جرار والكبابيش بهدف السيطرة على جزء من الدار الراهنة للكبابيش بشمال كردفان ــ وقد اتصلت حلقات الصراع وإن تخلله جنوح للسلم من بعد عُقال الحنيك فغطت شيخة محمد ود الساني(1804-1811) وسالم فضل الله (1817 -1833) في الكبابيش وشيخة جلي وابنة موسى في بني جرار إلى قبيل الفتح التركي لكردفان عام1821 كما ورد ذلك في كتاب الدكتور المؤرخ (عبد الله علي إبراهيم – فرسان كنجرت) احتلت مدينة كجمر مركزاً دامياً في المرحلة الأولى للصراع، وتقول إحدى الروايات بأن دار حامد قد دخلت في أتون العراك فطلبت سند الكبابيش على بني جرار وانتهت تلك الجولة بخسران الكبابيش ودار حامد وقتل هلال ود بخيت النورابي بعد تخاذل كبير من الشيخ سالم ود فضل الله، والزبير أبو النية، بينما أبلى حمد ود منزول الجراري البلاء الحسن، ولكن سرعان ما عاد الكبابيش بالحول وأوقعوا الهزيمة ببني جرار وحازوا على كجمر كما اتفقت أغلب الروايات الشفاهية مع كتابة (باركنز) بأن نهاية الوجود الجراري في كردفان قد جاء إثر موقعتين بارزتين الأولى هي عُقال قرين (الجبل الصغير) جلي وهو موضع شمالي المرخ.

 ومبعث الحرب هو كتلة (بلل وعياله) حيث خرج بلل وأبناؤه في أثر جمال فأوقع بني جرار بهم وقتلوهم، وعندما حمل بنو جرار خبر مقتل بلل لشيخهم جلي وبخهم على ذلك وطفق ينتظر خيل الثأر وكان بفريق بني جرار (ود أم النصر النفيدي) والذي تعاهد مع جلي على إخباره بقدوم الكبابيش إن رآهم قبله، وبالفعل التقى الجمعان وانتصر الكبابيش، وقُتل شيخ بني جرار (جلي) ومعه حسب الله ود جلي وأحمد الحريرين أخ جلي مما جعل بني جرار يتجهون صوب دارفور بعد عُقال القرين، بحثاً عن حليف ليثأروا من الكبابيش فقصد موسى ود جلي الزيادية وشيخهم (بخيت ود قبلة) وأطلعهم على سطوة الكبابيش وثرائهم وعلى ضيعه شأنهم وقلة حيلتهم واستقر الأمر بقتال الكبابيش فكانت عقال التمامي، وهو موضع غربي حمرة الوز حول الموقعة السابقة(1815)، وفي تلك الموقعة نال ود أم النصر النفيدي مقتلاً من موسى ود جلي، والذي حمله حصانه إلى بني جرار بعد ظفر الكبابيش بمعركة (عقال التمامي) كما يرى باركنز ذلك ، وقد أيده في الرأي الدكتور عبد الله علي إبراهيم – وبعد تلك المعركة خلد الكبابيش للراحة و الهدوء وانقطع دابر بني جرار عن كردفان ونجوعهم لدارفور عدا نفر بقي مع الكبابيش. وقد منحت الجرارية بت مازن  على الفارس موسى ود جلي بقولها :.

إن كتلوك النفيدية محور على قلبي

وإن كتلوك العزاز دايوك على قرني

(الدايوك نبات طيب الريحة يعمل في قرن المرأة ويلصق بخصلتها).

شغل فارس بني جرار موسى ود جلي الألباب، وتحدث الناس بسيرته وشجاعته وإقدامه الكبير ومن تلك السير ما جرى بينه وبين يوسف (سنينات) أحد شيوخ أبناء عمومته الشكرية، حيث رحب يوسف بموسى ود جلي وقومه عندما حلوا بمنطقة الشكرية، وذلك بهدف الدمر ويُقال أن يوسف سنينات قال لأحد أعوانه (روح جيب سبعة أبكار لا ضاقن زر و لا عقال ضيفها لبني جرار وأديهم حفائر يشربوا منها في الصيف وأجعل ليهم شقة يكونوا فيها رباعة معنا حتى يشربوا ويدمروا فيها). غير أن الحفائر نضب ماؤها فأصبحت البهائم ترجع في عد الشكرية مما جعل أحد أعوان يوسف يقوم بقتل بكرة خاصة ببني جرار فحدث قتال جراء ذلك بين الرجل وصاحب البكرة وشاع خبر أن أحد أعداء سنينات (كتل بت أم فريعات والتي تحسب بخمسة وأربعين حبوبات تيلاد). الجدير بالذكر أن بت أم فريعات مقصود بها إحدى البكار الحرة لدى يوسف سنينات غير أن موسى ود جلي قال لهم (يا أخوانا يوسف ضيفني بي سبعة أبكار ما تمسكوا في بكرة واحدة (فجاء ردهم لموسى (أنت اتغربت في دار القبائل وأصبحت خوّاف) ونفى موسى ذلك الخوف عن نفسه بقوله (السبب البلومني مع سنينات شنو)، فقالوا له (إلا تسوق زوجته) (آمنة بت حسان) وبالفعل استجاب لطلبهم وذهب إليها وأجرى معها حواراً جعلها توافق على الذهاب معه بل رحبت به بداية الحوار بقولها :

حباب موسى يا صباح الخير

أبو وجها قمر ما ببدلوك بالغير

جيتو قادين سير اتفضلوعلي المنازل ديل

وجاء رد موسي ود جلي

نحن ماجينا ضيفان أكل وشراب

الدنيا أولها خراب وآخرها خراب

وما شفنا الصقر في عشه بتدلي غراب

كما قال لها (نحنا جينا نسوقوكي يا تمشي معانا يا نقطع راسك) مما جعلها تذعن لأمر الرحيل معهم وبعد عودة زوجها سنينات علم بالخبر الأكيد وفزع للأمر، وعند الصباح قال ود جلي لقومه (الفارس الفازع ده مرتو برجعها خلوني نشيل الشكرة نعيدها له)، ولكن قومه قالوا له (داير تخاف) فيما أنشد أحد  فرسان سنينات بعضاً من المقاطع الحماسية وحينها كان يوسف سنينات مقبلاً نحو داره :

يابا الغرابة ساقوا آمنة وقاموا

الشكرية وين فاتوا الشكرية ما بنلاموا

جاهم موسى رافع راسو متل الهاموا

خلاهم حفايا وبالدروب يتراموا

وجاء رد يوسف سنينات:

شوف الزول ما أشنى كلامو

داني للبعض فوق لجامو

وكم فرطقت جمهور العرب وعجامو

ومن ثم دار حديث بين بت حسان وود جلي حيث قالت آمنة:

ما تغشك الخليق والدروشة المتلمة

مابصدوني منك يا نقيع السمة

كان جاك البستر العورة وبكشف الضلمة

حات شكرك وقف والليلة يومك تم

وسرعان ما بدأ القتال فشاعت فرسة ود جلي (لأنه خان الأمانة) وكانت منطقة تقلي مكان ذلك العراك، حيث تبارز موسى ويوسف سنينات على الأرض، وقال يوسف لقومه (الضيء في بيتك ما بتكتلو نكتل فارس القبيلة ود جلي)، ولكن كما يقول الباحث محمد السماني محمد من منطقة ( أبو زينة) شرق بارا ومن قبيلة بني جرار بأن ذلك القتال انتهى بإرجاع آمنة بت حسان لأهلها، وبالتالي حقن الدم، إلا أن الباحثة الحاجة فاطمة بت الصافي (والدة الدكتور الراحل الضو مختار)، قالت بأن موسى ود جلي طُعن  بحربتين من أحد حاشية يوسف اشتهر برمي الرماح بعدما خاطب ذلك الشخص يوسف بقوله  (الوكت تم يا سيدي الزول اتعدى الحدود وإنت قلت ما بتكتل ضيء قبيلته خليني نرميه بالحربة كان نجا تكون ليه عار وكان مات تكون ليه تار)، وبالفعل رماه بحربتين إحداهما تحت الكلية والأخرى في فم المعدة غير إنه لم يمت وتم نقله لكجمر والتي توفي بها، وقد أيد ذلك الرأي الأساتذة الباحثون (الطيب محمد الطيب  في صور شعبية وموسى شيخ الربع  والشريف أحمد حماه الله الشنقيطي)، ولكن الراجح أن موسى ود جلي قتله النفيدي (ود أم النصر) في عركة (عقال التمامي)، ويؤكد ذلك ما قالته بت مازن وهي تعير ود أم النصر بقولها:

عانها النفيدي ممكن الرخسه

غور فوق رفيقه الما عطاه مفسه

جرو السلسل البتوط في مرسه

الخوف قسمو عيل موسى ما حرسه

عانها النفيدي ما أكعبه وما أشناه

غور فوق رفيقه الما عرف جازاه

كان مقتل ود جلي أمراً عظيماً إذ شق خبر موته على أهله وشقيقته المنفلة بت جلي  والتي عبرت عن ذلك بقولها:

دا موسى الما في أصبى منو أعوادو ما بتنو

يوم جبدوا الحراب منو

اتبسم وبرم شنبو

وقال أنا موسى يا حليل موسى

ومع تلك اللزمة الموسيقية (يا حليل موسى) كانت رائعة المنفلة بت جلي وهي تشدو ممنحة بقصيدتها (يا حليل موسى) والتي قالت فيها:

أبكنوا يا سهيل ومهيل

ود أمي  يا سرير وبرير

ود أمي يا صباح الخير

بكايتك ما بتنوم بالليل

وزاملتك بركت للشيل

خربانة الدنيا دار الميل

يوم جانا المهر مجلوب

فوق ضهرو السرج مقلوب

أبكن يا بنات حي ووب

علي موسى الوسدوه الطوب

حليل موسى يا حليل موسى

حليل موسى للرجال خوصة

هو نمر وأبوه دود قرقر

وأمو جاموسة وسيفو لاحوسه

حليل موسى ما باكل الملاح أخدر

ولا بشرب الخمر يسكر

عجب عيني يوم ركب دفر

طلع صيطو شال بنات بربر

حليل موسى ويا حليلو اليوم

حليل حوشو القرقرو البعشوم

أما مفردة (شال بنات بربر) فربما تعني أن إفادة الباحث محمد رحمة لي صحيحة حيث أفاد بأن أغنية حليل موسى اختلطت مع أغنية قيلت في فارس الجعليين ببربر (موسى ود أبو حجل) والدته هي بت (المك أبو لكيلك)، وكان ذلك الفارس قد استشهد في توشكي إبان الثورة المهدية، مما جعل الشاعرة فقوسه تؤلف فيه قصيدة حزينة قالت فيها :

حليل موسى الراكب الطويل وافزر

وحليل موسى ما باكل الملاح أخدر

أبكنو يا بنات بربر

حليل موسى رقد الصفوف والطوب

يوم جانا الجواد مجلوب

أبكنو يا بنات عرقوب

ولكن العزاء أن أغنيات التراث تتنقل من منطقة لأخرى، وتتم استعارة بعض مفرداتها وإدخالها في أغنيات تراثية بمنطقة أخرى لا سيما وأن (كتلة ود جلي) سبقت استشهاد موسى أبو حجل التي كانت كما أوضحنا بتوشكي على مشارف الحدود المصرية مما يستحيل معها عودة الحصان وهو مجلوب، كما أن الأغنية أشارت لكلمة (شال) والتي تعني (شيل) خاصة وأن بربر كانت ملتقى طرق آنذاك كما أن قوافل الحج تمر بها في طريقها للحجاز ومفردة (شال) وشيل كثيرة في الأدب الشعبي ومن ذلك قول إحدى حكامات الأبّالة:

وداي الزوم سيل

وزينو قام قيل

قالو المريود شيل

من أب تبر ميل

وأيضاً وردت مفردة شال في قصيدة للشاعر الراحل قاسم عثمان بريمة :

ما دام براقا شال طرف

قطع شك الأبيض خرف

وكذلك يقول شاعر الحقيبة إبراهيم العبادي في (عازة الفراق بي طال)

طريت برق الفويطر الشال

وسال دمعي البكب وشال

كمل صبري ومنامي انشال

لبس من ناري عمة وشال

يا عازة الفراق بي طال

أغنية حليل موسى تغنى بها فنان الشرق (آدم شاش) من خلال برنامج (الربوع)، وهو صاحب الأغنية المشهورة (فنجان جبنة بي شمالو)، كما تغنى بمناحة ود جلي أيضاً الفنان الرائع (مصطفى مضوي)، غير أن الأغنية بلغت شأناً كبيراً حينما تغنى بها كروان التراث الأستاذ الفنان الأديب عبد الكريم الكابلي فأكسبها ألقاً وجمالاً وأصبحت عنواناً لقليعة ود جلي التي تقع في البطانة الغربية على تخوم (عد المرخ) وبالقرب من حمرة الوزن وبالحق  فإن الأغنية تعتبر من أغنيات المناحة الشامخة في ربوع بلادنا باعتبارها من المراثي الصادقة والشفيفة .

التحية و التقدير للشاعرة (المنفلة بت جلي) ولشقيقها فارس بني جرار (موسى ود جلي) الذي أبلى بلاءا صادقاً في الدفاع عن أهله وعشيرته (بني جرارالأبدو الحواية النار)، ولم يهتم إطلاقاً بالقول الذائع والصيت الشائع (الجود يفقر والإقدام قتّال).

مقالات ذات صلة

إغلاق