من أغنيات المقاومة الواعي ما بوصو

خالد الشيخ حاج محمود

في سبتمبر 1898م، سالت دماء شرفاء الوطن في سفح جبال كرري، ووقع الغازي وقائد الجيش كتشنر في أخطاء وتجاوزات كبيرة، وجدت الاستنكار حينئذٍ،  حيث استباح الغزاة مدينة أم درمان ثلاثة أيام عاثوا خلالها فساداً وهمجية، كما قاموا بضرب قبة الإمام المهدي بالمقذوفات علاوة على قتلهم جرحى الحرب بدعوى عدم وجود وسائل لإسعافهم، وبعد الانتصار والقضاء على ما تبقى من جنود وأنصار المهدية ورفع العلمين اتفقت مصر وبريطانيا على تأسيس الحكم الجديد وإدارته وحررت وثيقة سميت (اتفاقية 1899م)، وقد أوضحت الاتفاقية أن بريطانيا ستشارك في إدارة السودان بحق الفتح، ولكن  السيادة على السودان سوف تتركز في دولتي الحكم الثنائي، وعلى ذلك فالسيادة التركية، قد أُزيلت قانونياً بعدما أُزيلت في الواقع بواسطة الثورة المهدية .

لم يرض السودانيون بالحكم الجديد، ولم يتقبلوا ما جاءهم به إلا تقبل المغلوب على أمره، وتتالت الأحداث لتدل على رفضهم  ومقاومتهم بالسلاح للاستعمار، لم ترتعد فرائص السودانيين إزاء البطش وظلت جذوة النضال متقدة كما وصفها الشاعر عمر البنا:

    القنابل تقذف تبيــد               السوداني الموت عندو عيد

بالرأي والسيف والقلــم              هزمنا كل من ظلــــم

اليوم ارتفع العلــــم              وجيشنا لي بلادنا استلم

سرعان ما بدأت المقاومة بتمرد الكتيبة السودانية في عام 1900م، تلتها بعض الحركات والثورات مثل (ثورتي السلطان عجبنا والفكي علي الميراوي في جبال النوبة)، وثورتي (السلطان علي دينار و الدرويش السُحيني في دارفور)، كما شهدت البلاد أيضاً ثورة عبد القادر ود حبوبة بالحلاوين في عام 1908م، وثورة شقيقه عبد الباقي ود حبوبة في منطقة بارا في عام 1910م، والأخيرة أهملها التأريخ تماماً ولم تعرف إلا في حدود ضيقة بالرغم من ارتباطها المباشر بواقعة حادثة كسر قلم ماكمايكل ببارا.

لقد اجتهدتُ من خلال البحوث لمعرفة سر الارتباط والعلاقة بين عبد الباقي ود حبوبة، وعبد الله ود جاد الله، وأذكر في عام 1991 وأنا بالقاهرة سألت الشيخ محمد فضل الله الإعيسر (ناظر الكواهلة)- الذي جاء مستشفياً حينها – عن سر كسر قلم ماكمايكل كما سألته عن شاعرة أغنية (عاشميق الأصم)، وقد أجابني بأن الشاعرة هي مستورة بت كوكو من الكواهلة، كانت تقيم في  منطقة الشقيق التي تقع في الطريق المؤدي إلى أم درمان عبر الهلبة والشيخ الصديق، أي بمعنى الطريق البري الذي يبدأ من مدينة بارا ويسمى بطريق (أم عود) والذي يسهل الوصول إلى  أم درمان عندما تستعصي على مسافري دار الريح في فصل الخريف، كما استعصت على الشيخ محمد علي التوم وكيل ناظر الكبابيش المشهور (بالمر)، والذي كتب شعراً قال فيه:-

الحوت محكمة والمخنزر قاضي

ويبقى حللنا بارود النصارى الماضي

أمن تعمل الصلح وتفكوا نيــاقي

ولا نكلبش أم عشرة ونتم البــاقي

(الحوت  والمخنزر هما خوران يسيلان في فصل الخريف ويقطعان الطريق المؤدي إلى أم درمان) .

أما سبب كسر قلم ماكمايكل فلم يفصح لي شيخ الأعيسر عنه، لذلك اجتهدتُ كباحث لمعرفة السبب الحقيقي والمباشر، وذلك من مصادر عاشت وواكبت تلك الحقبة.  ومن أولئك الذين أشاروا إلى حادثة كسر قلم ماكمايكل  الشيخ  الدرديري عبد الخالق (من مدينة بارا) وأحد الفرسان الذين حاربوا في معركة كرري، والذي أفاد  عن الأسباب المباشرة للجفوة بين مفتش مركز بحري كردفان آنذاك (ماكمايكل) و ناظر الكواهلة عبد الله ود جاد الله، وقد لخصها في ثلاث:

أولها: أن الشاعر عبد الله ود جاد الله (كسار قلم ماكمايكل) وناظر الكواهلة آنذاك قام بتجهيز قافلة محمّلة بالعتاد  وبالمؤن لنصرة السلطان علي دينار في عام 1909م، من الخيران بمنطقة بارا  قادها  سلمان أبو غندور  والد الضابط/ مزمل سلمان غندور.

وثانيها: أنه اتفق مع السلطان علي دينار على حماية قوافل دارفور التي تمر عن طريق الأربعين في طريقها لسلطنته.

ثالثها وهو الشيء الذي  قصم ظهر البعير،  وخلق الجفوة الكاملة، لقد قام ود جاد الله بإرسال خطاب إلى عبد الباقي ود حبوبة  (شقيق البطل عبد القادر)، وذلك عقب اقتياد عبد القادرإلى حبل المشنقة في 17 مايو 1908م، حاثاً فيه عبد الباقي على الحضور لمنطقة بارا  لمواصلة النضال ضد الاستعمار، وبالفعل حضر عبد الباقي ود حبوبة، وأقام بمنطقة الشقلة التي تقع بالقرب من بارا، وقام في عام 1910م بعمل كبير حيث غنم مجموعة من المؤن والسلاح من مركز بحري كردفان وزعزع الأمن مما جعل مفتش المركز مستر (هارولد ماكمايكل) يرسل تجريدة بقيادة اليوزباشا عبد الله جبريل للقبض على عبد الباقي ود حبوبة وبعد مجهود كبير وقتال حقيقي بين الطرفين قبض على البطل عبد الباقي ود حبوبة وجيء به مكلبشاً إلى مركز بارا، وبعد التحريات اللازمة ثبت لماكمايكل  بأن الذي أحضره هو عبد الله ود جاد الله ناظر الكواهلة، الشيء الذي جعل ماكمايكل يتخذ أسباباً أخرى غير مباشرة لإقصاء ود جاد الله من النظارة، حيث قام بكتابة مسألة متنازع فيها بين الكواهلة والكبابيش لمصلحة الكبابيش، وعندما طلب من ود جاد الله التوقيع عليها قام بكسر القلم بدلاً من التوقيع مما جعله يتعرض للتجريد من نظارة الكواهلة وحُكم عليه بالسجن ثلاثة أعوام، وأيضاً حوكم عبد الباقي ود حبوبة  بالسجن  لمدة خمس سنوات، وعندما شاهدت الشاعرة مستورة بت كوكو شجاعة الناظر ود جاد الله  بعد كسر القلم قامت بتأليف قصيدة (عشميق الأصم)، قالت في بعض مفرداتها:

الليلة البلد اتباشرو ناسوا

ويا بحر المحيط مين عبرو وقاسو

بريطان والترك ما لينو راسو

والعضم الكبير كسروا وشرب ساسو

شدولو وركب فوق أصهباً مربيك

الهوي والشرق مرقن يعاينن ليك

العاقر تقول بلدي وبسمِّي عليك

يا عيد الضحية البفتحو لو البيت

رايو مكملو كسار قلم ماكميك

لقد أظهر  عبد الباقي ود حبوبة شجاعة وقوة وأصبحت سيرته عامرة بقيم البطولة والفداء ولا يستغرب ذلك، فهو  شقيق حادي ركب النضال عبد القادر ود حبوبة، الذي سجل اسمه بمداد من نور.

 وقد ذكر الأستاذ صديق البادي في كتابه (لمحات من حياة وثورة ومدائح الثائر البطل عبد القادر ود حبوبة) بأن تسمية ود حبوبة جاءت بسبب أن هناك امرأة من عائلة محمد إمام كانت متقدمة في السن اسمها حبوبة، أما اسمه الحقيقي فهو عبد القادر محمد إمام إدريس ووالدته التاية عبد السلام. وقد استخدم عبد القادر كلمة حبوب إحدى عشر مرة في مدائحه كما جاء في كتاب (عبد القادر ود حبوب) للدكتور عثمان عوض الكريم، ومن ذلك قوله:

الصلاة والسلام تدوي دوي السيل

تتنامى وتزيد بالنهار والليل

ود حبوبة البدور كلمة التهليل

تملأ للبسيطة وتعلى للإكليل

ولد عبد القادر ود حبوبة في عام 1846 في قرية قوز عبد السلام بالقرب من المحيريبة، وكان والده ناظراً لعموم الحلاوين لذلك شبً قوياً عزيز النفس  منذ أن  درس القرآن بقرية شرفت الحلاوين، ثم انتقل للشرفة جنوب رفاعة، وكان يؤدي المديح ويقرض الشعر مع رفاقه وله خمسة وعشرون أخاً منهم (مضوي وعبد الباقي وحسن)، وله أخوات عديدات منهن (رقية ومكة وحواء)، وقد تزوج الخليفة عبد الله التعايشي إحدى كريماته تسمى (بتول)، ومن شقيقاته كذلك آمنة التي ذكرتها بت مسيمس بقولها:

أسد الخلاء الحجر اليويات

جابوك للشنق يا أبو آمنة حوبتك جات

التقى  عبد القادر ود حبوبة بالإمام المهدي في قرية طيبة الشيخ القرشي، وذلك حينما جاء الإمام المهدي لبناء قبة شيخه القرشي ود الزين، وقد آمن ود حبوبة بالمهدية وشارك في كل حروبها عدا كرري  (يُقال بأنه كان مريضاً) وكان من كبار مستشاري المهدي ومن المقربين للخليفة عبد الله، وقد رافق ود النجومي في معركة توشكي  والتي أسر فيها مع شقيقيه عبد الباقي ومضوي، ولكن سلاطين باشا شاهده حبيساً في السجن  بأسوان فأمر بإطلاق  سراحه وأخويه عبد الباقي  ومضوي.

بدأت ثورة ود حبوبة في التقر عقب قتله للمفتش  سي إسكوت مانكريف ومعه اليوزباشا محمد شريف، وذلك في أبريل 1908م اللذان حضرا للتقر بالجمال، وقد أرّخت شقيقة ود حبوبة (رقية) لذلك الموقف الوطني بقولها:-

ديم التقر قال العمير لي السوم

القوي والضعيف من عينو طار النوم

الكفرة النجوس ما بختو من اللوم

حجّرت الدرِب خليت جمالهم تحوم

الأسد النتر وقال الدين منصور

لمو لو الأرط جابوهم بالبابور

العمد الكبار كلامهم بقى مدحور

من فقشت مدير وكرمت بالمامور

(العمير للسوم تعني بأنه سام روحه للجهاد، وفي ذلك قالت الشاعرة كلثوم بت جابر محمد عبد الرازق في الفارس نقد الله ود عمر الركابي عندما درج النساء من أسحف إلى بارا

     سام الروح سبلا وأنا  أخوي جبل الضرا

سيد أم رطيم ماضل فارس الألف نقد الله

نقد الله خال فاطمة بلالى البدرج العاطلة

ولمناهضة حركة ود حبوبة بالحلاوين  قامت الحكومة بإرسال الأورطة(13) من مدني بقيادة (مكوين بك)  وأحمد إبراهيم زاده ، إلى قرية الكتفية في الليل، وكان من رأي ود حبوبة مهاجمتهم ليلاً، وبالفعل قاموا بذلك وذبحوا مجموعة من الهجانة كانوا ينامون يمين الأورطة، ولكن عيسى شقيق البطل تحمس وقال (الدين منصور) مما أيقظ ماكوين والذي طلب من رجاله إطلاق المدفع الرشاش الذي حصد الكثير من الأنصار، الشيء الذي جعل ود حبوبة يفر إلى قرية ود البصير ليلاً، ومع طلوع الفجر توجه للكاملين ومنها إلى قرية الدبيبات الواقعة في ريفي المعيلق، وهنالك هجمت  عليه مجموعة من الدباسين وألقت القبض  عليه، وقد برر الأستاذ صديق البادي قبضهم لود حبوبة قائلاً (للأمانة التأريخية أن الدباسين لم يفعلوا ذلك عداءً للحلاوين  إنما أرادوا حقن الدماء بالمنطقة وذلك حسب ما ورد في سودانيز أون لاين من الدكتور أحمد القرشي عبد الرحمن)، وقد أرّخت  لبسالة ود حبوبة شقيقته (رقية) بقولها:

الأسد النتر بي جيهة الأبقـــار

لمو لو الأورط شايلين سلاح النار

ود حبوبة قام رتب الأنصــــار

في الكتفية ديك كم شبعن صقار

حُكم على ود حبوبة بالإعدام في 17/ مايو1908م بالكاملين أمام قاضي محكمة المديرية مستر بيكوك، وكانت جريمته قتل مستر مانكريف اسكوت مفتش مديرية النيل الأزرق واليوزباشا محمد شريف مأمور المسلمية علاوة على  إثارته الفتنة والحرب على حكومة السودان وقد نفذ فيه الحكم بسوق حلة مصطفى بالمنطقة، ولكن ود حبوبة أظهر عظمة عند التنفيذ لا سيما عندما صعد إلى المشنقة وهو يهلل  ويكبر والنساء من خلفه يزغردن، وقد وصى بأن تُسلم ملابسه بعد الإعدام لشقيقاته ليتأكدن من ثباته  وعدم تبرزه في ملابسه، وقد ألفت شقيقته رقية قصيدة حماسية  عند تنفيذ الإعدام قالت في بعض مفرداتها:-

الإعلان صدر واتلمت الخـــــلوق

بي عيني بشوف أبو رسوة طامح فوق

كان جات بالمراد واليمين مطلوق

ماكان بتشنق ود ابكريق في السوق

ولما تنامى  خبر القبض على  ود حبوبة واقتياده للإعدام  ألفت الشاعرة بت مسيمس قصيدة حماسية عبرت عن شجاعته وبسالته،  وقد أكد الأساتذة (بادى محمد الطيب وعوض بابكر، وعلى مصطفى الدكشنري)، بأن أغنية الواعي ما بوصوه ألفتها بت مسيمس فيما ألفت شقيقته رقية قصيدة بتريد اللطام، ولكن الأستاذ عبد المنعم عمر عثمان من الحلاوين  قال بأن بتريد اللطام ألفتها بت مسيمس مستنداً على أنها شاعرة مجيدة لا سيما  وأن مفردات (بتريد اللطام ) أقوى من  مفردات (الواعي ما بوصو) وقد أيده في ذلك (الأستاذ صديق الموج)، ولكن الراجح ما ذهب إليه الأستاذ بادي محمد الطيب (حفيد ود حبوبة) والذي أفادني  بأن (الواعي ما بوصو) من تأليف الشاعرة  بت مسيمس ومن مفردات  تلك القصيدة التي أصبحت من أغنيات المقاومة القوية:

الواعي مابوصو من أمس الضحى

توري أب زنود ساقوا يا مقنع ولياتو

تور بقر الجواميس العليك الرك

يا عقد الحديد للحلبي ما بتنفك

تورك يا أم رشوم في الحلق عشرق

دقيت الجسر وحاجر مشارع الحق

غنيت وجبت مسدار

المكنة بتكاكي وجنن مدافع النار

لفوك يا رحل  الكحل دلوك مابتندار

أمانة يا صقر ما اتفرشت ليك بي رجال

غنيت وجبت النم بجر القول عليك

 يا مقنع الكاشفات

ساقوك للشنق يا أبو آمنة حوبتك جات

غني وشكري ياخُدرة الججم

طلع لي  عشاري الليلة مسكو يفوح

ما خطف البدينقة وما جفل مجروح

سيفو بياخد الخودة ومعاها الروح

أمك ولدتك وما ولدتهم أثنين

تسلم لي يا تلبي البكيل العين

( البدينقة حربة مربوطة بالحبل لاصطياد التمساح)

(الجم) من جمام الماء وهناك منطقة بكردفان تسمى الجمامة) وصفها الشاعر الشعبي بقوله :

الجمامة عد الصي شالت حبيباً لي

سجاير حسن الهدى ما بروق العلي

وتواصل الشاعرة بت مسيمس مفرداتها الحماسية وتقول:-

حالف يمين مابكون بين البيــن

دقيت الجسر لى متعة  الحييــن

غنيلو يا بنية من قومة الجهل ما قاملو بي نية

وقت الشوف يشوف وقفولو سلطيـة

تعدي وركز قال أخوكي يا رقيـــة

(المقنع) كل ما وضع من ثوب لتغطية رأس المرأة – و(أم رشوم )هي المرأة وإن كان الرشم هو زينة المرأة – و(العشراقة) نزول  شيء من سائل في مجرى الهواء).

التحية و الشموخ  للبطل  عبد القادر ود حبوبة الذي ضرب أروع مثال  للمقاومة والنضال وكان نبراساً أضاء الطريق للشرفاء حتى تحقق استقلال السودان  وكان كالصحن الصيني لا فيه طق ولا شق كما قال الزعيم الخالد ورافع علم الاستقلال  الأستاذ إسماعيل الأزهري.

مقالات ذات صلة

إغلاق